للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دقيقا فى جراب، ومشت به من مدينة الفسطاط إلى بابى زويلة، فلما علم الناس أن معها دقيقا، تكاثروا عليها، وانتهبوه منها، فأخذت منه بجملة الناس ملء يديها، فلما وصلت به إلى بيتها عجنته رغيفا وخبزته، ثم أخذته على جريدة، وتوجّهت به إلى تحت قصر الزمرّد ورفعته، ونادت بأعلا صوتها، وقالت: «يا أهل القاهرة، ومصر، ادعوا للخليفة المستنصر بالله بالنصر، الذى أكلنا الرغيف فى أيامه بألف دينار».

فلما سمع المستنصر ذلك تأثّر منه، وأحضر الوزير والحاجب وهدّدهما بالشنق، وقال: «إن لم يظهر الخبز فى الأسواق، وإلا شنقتكما»؛ فنزلا من عنده، وصارا يكبسان البيوت والحارات بسبب القمح، حتى ظهر الخبز فى الأسواق، وكثر فى الدكاكين.

ثم أعقب هذا الغلاء فناء عظيم، حتى فنى من أهل مصر نحو الثلث، فكان الجندى يتوجّه بنفسه، هو ومن بقى من خشداشينه، وينزل بلده، ويحرث هو وخشداشينه، ويزرعون، وذلك لعدم الفلاحين.

واستمرّ هذا الفناء يعمل فى الناس نحو عشرة أشهر، حتى قيل كان الرجل يمشى من جامع ابن طولون إلى بابى زويلة فلم ير (١) فى وجهه إنسانا يمشى فى الطرقات، حتى قيل فنى من الناس نحو النصف.

فلما تعطّلت البلاد من عدم الفلاحين، تعذّر صرف جوامك الجند، فكان المستنصر بالله يخرج من الخزائن السلاح والقماش والتحف، ويقيمها على الجند من جوامكهم بقدر معلوم.

قيل إنّه باع ثمانين ألف قطعة من الجوهر والياقوت؛ وباع خمس وسبعين ألف شقّة حرير، مرقومة بالذهب؛ وباع عشرين ألف سيف (٢) مسقّطة بالذهب؛ وباع إحدى وعشرين دارا وضيعة؛ حتى باع رخام قبور أجداده.

ولم يبق (٣) عنده من آثاره النعمة، سوى سجادة رومى يقعد عليها، وقبقاب فى


(١) فلم ير: يرى.
(٢) سيف: سيفا.
(٣) ولم يبق: ولم يبقى.