الزعر أفواجا أفواجا؛ وكان قبل ذلك توجّه جماعة من المماليك الجلبان إلى بيت آقبردى الدوادار، وتكلموا معه فى أن يتكلم مع السلطان بأن ينفق عليهم فى نظير تعب برّهم، بسبب هذه النصرة التى وقعت لهم على عسكر ابن عثمان، وسألوا أيضا فى أن يعمل مصالحهم فى مرتّب اللحم والعليق، فلما اجتمع آقبردى بالسلطان وكلّمه فى ذلك غير ما مرة، وهو مصمّم على عدم إجابتهم إلى شئ مما سألوه فيه، فلما عاد الجواب لهم بعدم الإجابة فى ذلك ثاروا عليه، واتّسعت الفتنة، وغلقت الأمراء أبوابها، واستمرّ الحال على ذلك.
وفى ذى الحجة لم يطلع أحد من القضاة إلى القلعة بسبب التهنئة بالشهر، وكانت الفتنة قائمة كما تقدّم، ثم طلع الأتابكى أزبك إلى القلعة واجتمع بالسلطان، وكلّمه فى أمر النفقة على المماليك، وتلطّف به فى القول، فما أجاب إلى ذلك إلا بعد جهد كبير، فتقرّر الحال على أنه ينفق عليهم على كل مملوك منهم خمسين دينارا، ثم نادى فى القاهرة بأن النفقة ستكون فى أوّل السنة الجديدة، فخمدت هذه الفتنة شيئا قليلا.
وفيه جلس السلطان على الدكّة التى بالحوش، وحضر الأتابكى أزبك، وفرّقت الأقاطيع الشاغرة عمن توفى فى هذه التجريدة من الجند، وصار الأتابكى أزبك هو المشار إليه فى هذا الأمر. - وفيه أنعم السلطان على آقباى من جانم الظاهرى خشقدم بأمرة عشرة، وهى أمرة أصباى السيفى قرقماس الشعبانى، بحكم أنه كان مريضا منقطعا فى داره؛ وأنعم على قانم أبو شعرة بأمرة عشرة، وهى أمرة قراكز، بحكم عجزه أيضا. - وفيه كانت الضحايا قليلة جدا، ولا سيما الغنم.
وفيه جلس السلطان لتفرقة الجامكية، فامتنع المماليك من أخذها، وصمّموا، وقالوا: ما نأخذ إلا النفقة مع الجامكية، ولا نصبر إلى الشهر الآتى؛ فلما رآهم قد صمّموا على ذلك نفق عليهم، فأعطى المماليك الجلبان لكل واحد منهم خمسين دينارا، وللقرانصة خمسة وعشرين دينارا، ولم يعط ممن لا توجّه فى هذه التجريدة من المماليك المقيمين، ومن أولاد الناس، شيئا، ووقع القيل والقال بسبب ذلك، فلم يلتفت إلى شئ من كلامهم، وخمدت هذه الفتنة، انتهى ذلك.