الطرطور إلى جانبه، فإذا جاءوه خصمان يتحاكمان عنده، وجار أحدهما على الآخر، فيلبس القاضى ذلك الطرطور الذى فيه القرنان، ويتباعد وينطح الخصم الذى يجور على صاحبه، فعرف بالنطاح، واشتهر بين الناس بذلك.
فلما بلغ الحاكم أمره، أرسل خلفه، وقال له:«ما هذا الأمر الذى قد اخترعته بين القضاة، حتى قبحت سيرتك بين الناس»؟ فقال له القاضى:«يا أمير المؤمنين، أشتهى أن تحضر مجلسى يوما، وأنت خلف ستارة، لتنظر ماذا أقاسى من العوام، فإن كنت معذورا فيهم، وإلا عاقبنى بما تختار»؛ فقال له الحاكم:«أنا غدا عندك، وأحضر مجلسك، حتى أرى ما تقول».
فلما أصبح الحاكم، أتى إلى مجلس ذلك القاضى، وقعد من خلف ستارة، فأتى فى ذلك اليوم إلى القاضى خصمان، فادّعى أحدهما على الآخر بمائة دينار، فاعترف له بها المدّعى عليه، فأمره القاضى بدفع ذلك إلى صاحبه، فقال المدّعى عليه:«إنى مصر فى هذا الوقت فقسّطوا علىّ ذلك على قدر حالى»، فقال القاضى للمدّعى:«ما تقول»؟ فقال:«أقسّطها عليه فى كل شهر عشرة دنانير»، فقال المديون:«أنا لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى:«تكون خمسة دنانير»، فقال المديون:«لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى:«تكون دينارين»، فقال المديون:«لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى:«يكون دينارا»، فقال المديون:«لا أقدر على ذلك».
فلا زال القاضى يخفض (١) هذا القدر، حتى قال له:«تكون عشرة دراهم فى كل شهر»، وهو يقول:«لا أقدر على ذلك»، فقال له القاضى:«وما القدر الذى تقدر عليه فى كل شهر، فلعل أن يرضى به خصمك»؟ فقال المديون:«أنا ما أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم فى كل سنة، بشرط أن يكون خصمى فى السجن، لئلا يحصل معى هذا القدر ولم أجد خصمى، فيذهب منى».
فلما سمع الحاكم ذلك، لم يتمالك عقله، وخرج من خلف الستارة، وقال للقاضى:
«انطح هذا النحس، وإلا أنا أنطحه»، وكان الحاكم أحمق من القاضى، انتهى ذلك.