وفى صفر أرسل السلطان خلعة إلى سيباى الطيورى حاجب دمشق، وقرّره فى نيابة حماة، عوضا عن يشبك العلاى بحكم وفاته، وقرّر فى حجوبية دمشق يلباى أحد الدوادارية بدمشق، وقرر فى الدوادارية جانى بك الطويل أحد مماليك السلطان. - وفيه كان توجّه جانى بك حبيب أمير آخور ثانى إلى ابن عثمان، وقد تقدّم القول بأن السلطان قد عيّنه قاصدا إلى ابن عثمان، فتوجّه إليه من البحر الملح من الإسكندرية، وأرسل السلطان صحبته هدية حافلة بنحو عشرة آلاف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وأرسل السلطان صحبته تقليدا من الخليفة إلى ابن عثمان، بأن يكون مقام السلطان على بلاد الروم وما سيفتحه الله تعالى على يده من البلاد الكفرية، وأرسل إليه الخليفة أيضا مطالعة تتضمّن تخميد هذه الفتنة التى قد انتشت بينه وبين السلطان، وفى المطالعة بعض ترقّق له.
والذى استفاض بين الناس أن سبب هذه الفتنة الواقعة بين السلطان وبين ابن عثمان، أن بعض ملوك الهند أرسل إلى ابن عثمان هدية حافلة على يد بعض تجار الهند، فلما وصل إلى جدّة احتاط عليها نائب جدّة وأحضرها صحبته إلى السلطان، وكان من جملة تلك الهدية خنجر قبضته مرصّعة بفصوص مثمنة، فطمع السلطان فى تلك الهدية وأخذ الخنجر، فلما بلغ ابن عثمان ذلك حنق؛ وجاء فى عقيب ذلك أن على دولات ترامى على ابن عثمان وشكا له من أفعال السلطان وما يصدر منه، فتعصّب لعلى دولات وأمدّه بالعساكر، واستمرّت الفتنة تتّسع حتى كان ما سنذكره فى موضعه؛ وقد طمع غالب ملوك الشرق فى عسكر مصر بموجب ما وقع لهم مع سوار وباينذر وغير ذلك من ملوك الشرق؛ ثم إن السلطان أرسل إلى ابن عثمان ذلك الخنجر والهدية التى بعث بها ملك الهند، وأرسل يعتذر لابن عثمان عن ذلك بعد ما صار ما صار، فكان كما قيل:
جفاء جرى جهرا لذى الناس وانبسط … وعذر أتى سرّا فأكّد ما فرط
ومن ظنّ أن يمحو جلىّ جفائه … خفىّ اعتذار فهو فى غاية الغلط
ثم إن جانى بك حبيب لبس خلعة السفر، ونزل فى موكب حافل، وتوجّه إلى