الأمر كذلك، وكان بناء سور القاهرة سنة تسع وخمسين وثلثماية من الهجرة.
وكان الذى بناه جوهر، القائد، من سور القاهرة، بالطوب اللبن، وآثاره باقية عند الباب الجديد بالقرب من البرقية.
وأما السور الموجود الآن، بناه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وبناه بالحجر الفصّ المنحوت، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصّى الحبشى، ذكر ذلك ابن الأثير.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، بنى (١) قصر الزمّرد، وجعله دار المملكة؛ وكان قصر الزمّرد مكان دار الضرب.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، أرسل يعرّف المعزّ بذلك، ويستحثّه فى الدخول إلى مصر.
ثم جاءت الأخبار بأنّ المعزّ قد وصل إلى ثغر الإسكندرية، فخرج الناس قاطبة إلى ملتقاه، وكان دخوله إلى الإسكندرية فى شعبان سنة اثنتين وستين وثلثماية.
فخرج إليه قاضى مصر، أبو الطاهر الدبلى، فلما دخل عليه جلس إلى جانبه، ثم إنّه سأله:«هل رأيت خليفة أفضل منى»؟ فقال القاضى أبو الطاهر:«لم أر أحدا من الخلائق سوى أمير المؤمنين»، ثم قال له:«هل حججت»؟ قال:«نعم»، قال:
«وزرت قبر رسول الله، ﷺ»؟ قال:«نعم»، قال:«وزرت قبر أبى بكر، وعمر»؟
فتحيّر القاضى، ماذا يقول، وكان المعزّ يميل إلى مذهب الرفض، ثم نظر إلى الأمير نزار بن المعزّ، وهو قائم على رأس أبيه مع الأمرا، فقال القاضى:«شغلنى عنهما زيارة رسول الله، ﷺ، كما شغلنى أمير المؤمنين عن السّلام على ولىّ العهد له الأمير نزار»، ثم قام وسلّم عليه، ثم رجع إلى جانب المعزّ.
فلما كان يوم الجمعة خطب المعزّ بجامع الإسكندرية خطبة بليغة، وفضّل نفسه على خلفاء بنى العبّاس، ثم توجّه من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها فى خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثماية، فنزل بقصر الزمرّد، الذى أنشأه جوهر، القائد.