فكانت مدّة إقامته فى السلطنة بالديار المصرية، ثمانية وخمسين يوما لا غير، إلى يوم خلعه من السلطنة، فكان كما قيل:
لم أستتم عناقه لقدومه … حتى ابتدأت عناقه لوداعه
ولم يعلم من ملوك الترك، من خلع فى هذه المدّة اليسيرة، سوى الظاهر يلباى، وتمربغا، وكان الظاهر تمربغا وافر العقل، كامل الهيئة، كفوا للسلطنة، عارفا بأنواع الفروسية، اجتمع فيه أشياء كثيرة من الفضائل والمحاسن، وإلى الآن تنسب إليه أشياء كثيرة من آلة الحرب، وله معرفة تامّة باللعب بالرمح، ورمى النشاب، وكان يقبّن بيده على التحرير، ويعقد بيده التزكاوات الحرير، وكان عارفا بصنعة الحساب القبطى، والديوانى، فصيحا بقراءة (١) القرآن، وله اشتغال بالعلم، وله غير ذلك أشياء كثيرة من المحاسن، ولكن لما تسلطن، لم يساعده الزمان مع عرفانه بأحوال المملكة، وثبات جنانه، فلم يتمّ أمره فى السلطنة، وغدره خاير بك كما تقدّم، بما جرى له من شدائد ومحن، وهجم المماليك الجلبان على حرمه، وقلّة إنصافه، وسرعة زوال ملكه، وقد قيل فى المعنى:
كطبائع الميزان فى أفعاله … تضع الرواجح والنواقص تعتلى
وكان من ملخّص أخبار الظاهر تمربغا، أن لما انكسرت الخشقدمية، وقع الاتّفاق من العسكر على خلع الظاهر تمربغا، وسلطنة الأتابكى قايتباى، فآل أمر تمربغا إلى أن خلع من السلطنة، وتسلطن قايتباى، فلما تسلطن، رفق بالظاهر تمربغا، ورسم بإخراجه إلى ثغر دمياط، من غير تقييد، ولا سجنه، واستمرّ بدمياط، إلى أن كان من أمره ما سنذكره فى موضعه بما وقع له؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الظاهر تمربغا، وذلك على سبيل الاختصار.