للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شهرين إلاّ أربعة أيّام، فكأنها سنة من النوم، أو يوم أو بعض يوم.

كما قيل فى المعنى:

ركب الأهوال فى زورقه … ثم ما سلم حتى ودّعا

ثم فى أثناء ذلك اليوم، قبض على قنبك المحمودى أمير سلاح، فلما طلعوا به إلى القلعة، نقلوا الظاهر يلباى إلى قاعة البحرة، وأدخلوا عنده قانى بك المذكور، وقيّدوهما، واستمرّا مقيمين (١) فى البحرة، هو وقانى بك، ثلاثة أيام، ثم توجّهوا بهما إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ وكان الظاهر يلباى آخر سعد المؤيّدية، وبه زالت دولتهم كأنها لم تكن، فما كان أغنى الظاهر يلباى عن هذه السلطنة.

وكان يلباى عمره أرشل، قليل المعرفة، وعجز عن تدبير الملك، وكان يعرف بيلباى المجنون، وكان من مبتدأ أمره إلى أن بقى سلطانا، وهو فى غلاسة هو ومماليكه، وكان ملبسه غلس، وسماطه غلس (٢)، وشكله سمج (٣)، سيّئ الأخلاق، سوء الطباع، مقت اللسان، وكان عنده شحّ زائد (٤)، وبخل كثير، وكانت سلطنته غلط، وزال سعده جملة واحدة، وخرج ماله على أنحس وجه، وقد نفقه على العسكر، فلما تشحّطت النفقة، فحسّن له خاير بك الدوادار، أن يكمّل النفقة من ماله، وإذا جاء من المال شئ، يستعيد الذى أنفقه، فانصاع له، وأخرج ما عنده من المال، الذى حصّله من حين كان جنديّا، فنفقه جملة واحدة، وضاع عليه ذلك، وكان سيئ التدبير فى سائر أفعاله، كما قيل فى المعنى:

وفظّ غليظ الطبع لا ودّ عنده … وليس لديه للأخلاّء تأنيس

تواضعه كبر وتقريبه جفا … وترحيبه مقت وبشراه تعبيس

وكانت أيام سلطنته شرّ أيام مع قصرها، وكان مع خاير بك الدوادار فى غاية


(١) مقيمين: مقيمان.
(٢) غلس: كذا فى الأصل.
(٣) سمج: كذا فى الأصل.
(٤) شح زائد، وبخل كثير: شحا زائدا، وبخلا كثيرا.