للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عن يمينه، ومشت قدّامه الأمراء، حتى طلع من باب سرّ القصر الكبير، فدخل وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، من كبير وصغير، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونزل والى القاهرة، ونادى باسمه فى الشوارع، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الخاص والعام، وكان يظن كل أحد من الناس أنه فى السلطنة عارية، إلى أن يحضر جانم نائب الشام؛ ثم فى أثناء ذلك اليوم، بعث جماعة من الأمراء إلى الملك المؤيّد وهو فى البحرة، فقيّده هو وأخاه محمد.

أقول: وكان أصل الملك الظاهر خشقدم رومى الجنس، جلبه الخواجا ناصر الدين محمد، وبه يعرف بالناصرى، فاشتراه منه الملك المؤيّد شيخ، فأقام فى الطبقة مدّة ثم أعتقه، وأخرج له خيلا وقماشا، وصار جمدارا، ثم بقى خاصكيا فى دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيّد شيخ، ودام على ذلك دهرا طويلا.

فلما تسلطن الظاهر جقمق، أنعم عليه بإمرة عشرة، فى أثناء سنة ست وأربعين وثمانمائة، وصار من جملة رءوس النوب، واستمرّ على ذلك إلى سنة خمسين وثمانمائة، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف بدمشق، فتوجّه إليها، ودام بها إلى أن تغيّر خاطر الملك الظاهر جقمق على الأمير تانى بك البردبكى، حاجب الحجّاب، بسبب عبد قاسم الكاشف، الذى كان قد اشتهر بالصلاح، فنفى (١) تانى بك إلى ثغر دمياط، فلما نفاه سعى أبو الخير النحاس، وكيل بيت المال، وتكلّم مع السلطان فى إحضار خشقدم من دمشق ليلى حجوبية الحجّاب، فأحضره السلطان من دمشق، وقرّره فى حجوبية الحجّاب، عوضا عن تانى بك البردبكى، وأنعم عليه بإقطاعه أيضا، وذلك فى سنة أربع وخمسين وثمانمائة.

فأقام على ذلك إلى أن توفّى الملك الظاهر جقمق، وتسلطن الأشرف أينال، فقرّره فى إمرة السلاح، وسافر فى أيامه باش العسكر فى التجريدة، التى خرجت إلى ابن قرمان؛ فلما توفّى الأشرف أينال، وتسلطن ابنه المؤيّد أحمد، فقرّره فى الأتابكية عوضا عن نفسه، فأقام فى الأتابكية نحوا من أربعة أشهر.


(١) فنفى: فنفا.