للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحضر أرباب الدولة، من أصحاب الحلّ والعقد؛ فلما تكامل المجلس، دخل بعض الشهود على السلطان، وشهد عليه بخلع نفسه من السلطنة وتولية ولده، فأجاب إلى ذلك.

ثم إن الخليفة بايع الأتابكى أحمد بن السلطان، عوضا عن أبيه الأشرف، وتلقّب بالملك المؤيّد؛ فلما تمّت له البيعة، أحضر إليه شعار الملك، وهو العمامة السوداء، والجبّة، والسيف البداوى، فأفيض عليه الشعار، وقدّمت إليه فرس النوبة، وركب من باب الدهيشة، وحمل الأمير خشقدم، أمير سلاح، على رأسه القبّة والطير، وقد ترشّح أمره بأن يلى الأتابكية؛ فلما ركب من الدهيشة، مشت قدّامه الأمراء قاطبة، والخليفة عن يمينه، حتى دخل القصر الكبير، فنزل عن فرسه، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، من كبير وصغير، ودقّت له البشائر بالقلعة؛ ثم نزل الوالى، ونادى فى القاهرة بالدعاء إلى الملك المؤيّد، فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان محبّبا للناس، قليل الأذى؛ ثم أخلع على الخليفة، والأمير خشقدم، ونزلا إلى دورهما.

وكان له من العمر، لما ولى السلطنة، نحوا من ثمانية وثلاثين سنة، أو يزيد عن ذلك؛ وكانت أمّه خوند زينب بنت خاص بك، وكان كامل الهيئة، حسن الشكل، أبيض اللون، مستدير اللحية، أسود الشعر، طويل القامة، غليظ الجسد، وكان كفوا للسلطنة وزيادة، وكان عليه مهابة ووقار (١)، ولكن لم يساعده الزمان، وجنى (٢) عليه وخان، فكان كما قيل:

إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك فى اعتدال

فلما تمّ أمره فى السلطنة، عمل الموكب، وجلس على سرير الملك، وفيه يقول القائل فى المعنى:

بمهجتى أفدى مليكا غدا … مؤيّدا بالنصر كالشمس


(١) ووقار: ووقارا.
(٢) وجنى: وجنا.