للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قتال هيّن؛ فلم تكن إلاّ ساعة يسيرة، وقد انفضّ ذلك الجمع، وفرّ المماليك شيئا بعد شئ؛ فلما رأوا ذلك الظاهرية الذين (١) وثبوا مع المماليك الجلبان، تسحّبوا من الرملة، وقد اشتدّ الحرّ، وتوجّه كل أحد من المماليك إلى داره، وكان رأس الفتنة من المماليك الظاهرية، يشبك من مهدى، وكان يومئذ جنديّا من جملة المماليك السلطانية، فلما انفضّ الجمع، قام السلطان من المقعد، وطلع إلى القلعة، وقام الخليفة أيضا وتوجّه إلى داره، وخمدت الفتنة.

وكان الخليفة يظنّ أنّ هذه الحركة يحصل له فيها نفع، كما حصل له فى حركة الملك المنصور مع الأشرف أينال، فإنه لما تسلطن أنعم على الخليفة حمزة بإقطاع ثقيل ومال وخلع وخيول وغير ذلك، فظنّ الخليفة أنّ هذه الحركة مثل الأولى، فجاءه الأمر بخلاف ذلك، وكم من عجلة أعقبت ندامة، وقد قيل فى المعنى:

إذا ما أراد الله خيرا لعبده … ينله وما للعبد ما يتخيّر

وقد يهلك الإنسان من باب أمنه … وينجو (٢) بعون الله من حيث يحذر

وكان الخليفة حمزة قام فى سلطنة الأشرف أينال قياما عظيما، وخلع الملك المنصور من السلطنة قبل أن ينكسر، وأمر بحرق سبيل المؤمنى حتى أخذوا الميدان، فظنّ الخليفة أن تكون هذه الفتنة يحصل له فيها مثل تلك المرّة؛ فلما توجّه الخليفة إلى بيته، أرسل السلطان خلفه، وقد بقى له ذنب، الذى أرسل يقول له السلطان:

«غيّب من بيتك حتى تخمد هذه الفتنة»، فاستمرّ مقيما فى بيته، حتى أركبوه المماليك برضاه، وجاء إلى البيت الكبير كما تقدّم ذكر ذلك؛ فلما طلبه السلطان، وحضر بين يديه، وبخّه بالكلام، فلم ينطق بالجواب، وأمسك لسانه عن ذلك، «وكأنّ به بعض صمم»، فكان كما قيل:

إذا كان وجه العذر ليس بواضح … فإنّ اطراح العذر خير من العدر

ثم إن السلطان أمر بإدخاله إلى البحرة، فدخل إليها، وأقام بها أياما، وهو


(١) الذين: الذى.
(٢) وينجو: وينجوا.