للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفيه سقطت مئذنة (١) [المدرسة] (٢) الفخرية التى بسويقة الصاحب، وكان بجوارها ربع، وكانت المدرسة تحت نظر القاضى الشافعى الشهاب بن حجر، فلما سقطت المئذنة (١) مات تحت الردم جماعة كثيرة ممن كان ساكنا بالربع تحت المئذنة؛ فلما سمع (٣) هذا الخبر ركب حاجب الحجّاب، ووالى الشرطة، وأتوا إلى ذلك المكان فحفروا على المردومين، وأخرجوا منهم جماعة، وقد ماتوا، وبعضهم فيه الروح وقد تهشّم، فلما بلغ السلطان ذلك تشوّش إلى الغاية، وطلب الناظر على تلك المدرسة، وكان القاضى نور الدين القليوبى أمين الحكم؛ فلما حضر رسم السلطان بتوسيطه حتى شفع فيه بعض الأمراء، وكان يوما مهولا؛ ثم إن السلطان عزل قاضى القضاة ابن حجر بسبب ذلك، وألزمه بديّات من مات تحت الردم، وقد تغيّر خاطره على ابن حجر تغيّرا فاحشا.

فلما كان يوم الاثنين طلب السلطان الشيخ شمس الدين القاياتى ليولّيه القضاء، فامتنع القاياتى من الطلوع إليه، فبعث إليه ابن البارزى كاتب السرّ، فطلع به ابن البارزى إلى السلطان، فلما حضر بين يدى السلطان تكلّم معه بأن يلى القضاء، فامتنع من ذلك، ثم أشرط على السلطان أشياء كثيرة فأجابه إليها؛ ثم أحضر له التشريف، فقال: «قبلت القضاء ولا ألبس التشريف»، فأعفاه السلطان عن ذلك، ونزل من القلعة بجنده بيضاء وطيلسان، فعدّ ذلك من النوادر الغريبة؛ فلما نزل من القلعة نزل معه أعيان الدولة، حتى الدوادار الكبير أينال الأجرود، وكان له موكبا حافلا؛ فلما نزل بالمدرسة الصالحية قام بعض الرسل ليدعى على العادة القديمة، فلم يستمع الدعوى، وقال: «هذه حيلة ولا أسمع دعوى كاذبة»؛ وقام وتوجّه إلى داره.

فلما استقرّ بها أتى إليه قاضى القضاة ابن حجر ليسلّم عليه، فلما دخل عليه قام له القاياتى وعظّمه وأجلسه فى مرتبته، وجلس بين يديه متواضعا، وشرع يعتذر له


(١) مئذنة: ماذنة.
(٢) [المدرسة]: نقلا عن طهران ص ٢٢٤ ب.
(٣) سمع: فى لندن ٧٣٢٣ ص ٢٢٥ ب، وكذلك فى باريس ١٨٢٢ ص ٣٦٦ آ: أشيع.