للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يصلّى، أخذ بيده درج (١) مكتوب بماء الذهب، فقرأ فيه.

فلما أبصرنى، قال: ويحك يا محفوظ فى أى ساعة دخلت علىّ فيها؟ فقلت:

فى ساعة خير يا أمير المؤمنين؛ قال: هل تدرى ما فى هذا الدرج الذى بيدى؟ قلت:

لا والله يا سيدى؛ قال: هذا مما أنزل على دانيال، ، يقول الله تعالى:

عند تناهى شدّتى يكون فرجى، وعند نزول بلائى، يكون رجائى، وفى مثلى فليطمع الطامعون؛ اذهب يا محفوظ، فقد وهبت لك ما عليك من المال، وولّيتك على مصر ثانيا، فامض (٢) راشدا.

وأمر بنزع قيودى، وأخلع علىّ خلعة سنيّة، فخرجت من عنده وأنا لم أصدّق منه بالنجاة، وكنت قد أيست من الفرج، وقد قيل فى المعنى:

لا تجزعن لما واتى الزمان به … ولا تكن حرجا من شدّة الحرج

لابد للعسر من يسر يعقّبه … وللشدائد من حلّ ومن فرج

واستمرّ الأمير محفوظ بن سليمان فى ولايته بمصر، حتى مات سنة أربع وخمسين ومائتين.

ثم تولّى بعده الأمير أحمد بن محمد بن المدبر، وكان من شياطين العمّال، أحدث فى أيامه أنواعا من وجوه الظلم لم تكن بمصر، منها: أنّه حجر على الأطرون والملح وكانا مباحين للناس، ومنها: أنّه قرّر على الكلأ، الذى (٣) ترعاه البهائم، مالا، وسمّاه المراعى، وقرّر على مصايد الأسماك مالا، وسمّاه المصايد، وأحدث من هذه المطالم أشياء كثيرة، وقسّم أموال مصر ما بين خراجى وهلالى.

وهذه أول تلاشى أحوال الديار المصرية، فلما جرى ذلك، رحل غالب أهلها من الظلم وانحطّ خراجها فى أيامه إلى الناية، حتى بقى ثمانمائة ألف دينار، بعد ما كانت تجبى فى أيام من تقدّمه من أمراء مصر، اثنى عشر ألف ألف دينار، وقد آل


(١) درج: كذا فى الأصل.
(٢) فامض: فامضى.
(٣) الذى: التى.