للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكمشبغا الظاهرى، وقتلهما، وحزّ رءوسهما (١)، وبعث بهما إلى القاهرة، وكانا ممن خامر مع جانى بك الصوفى، وكانا من أعوانه.

وفيه بدأ التوعّك فى بدن السلطان، وكان هذا ابتداء ضعف الموت، فرسم بإعادة ما كان أخذه من أجناد الحلقة على العبرة على إقطاعهم، وحصل لهم بذلك الضرر الشامل، وكان الأشرف يشدّد عليهم بسبب التجريدة، وألزمهم بأن يسافروا أو يقيموا لهم بديلا كاملا من سلاح وفرس وغير ذلك، فجار عليهم أركماس الظاهرى أمير دوادار كبير، حتى أن أكثرهم نزل عن إقطاعه وهرب من مصر، فجمعت هذه الأموال بمشقّة زائدة من أجناد الحلقة، فألهم الله تعالى الأشرف برسباى بأن يعاد لهم ما أخذ منهم، وسطّر أجر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة، وكتب فى تاريخه، وعدّ من محاسنه.

وأين هذه الفعلة مما فعله الأشرف قايتباى، فإنه ظلم الناس، وأخذ من أجرة الأماكن (٢) جميعها، والأوقاف، أجرة خمسة أشهر، وقبل ذلك شهرين، حتى أخذ من أوقاف البيمارستان، وانقطع معلوم الضعفاء والأيتام، وجمع هذا المال بمشقّة زائدة من الناس، على أن العسكر يتوجّه إلى ابن عثمان، فبطل أمر التجريدة، واستمرّ هذا المال مودعا عند تغرى بردى الأستادار، فما ألهمه الله تعالى أن يردّ المال إلى أربابه، بعد ما بطل أمر التجريدة، وسطّر ذلك فى صحيفته إلى يوم القيامة (٣)، بل ضيّع ذلك المال إلى غير أهله، ونفقه على المماليك والطواشية نفقة من غير سبب، ولا موجب لذلك، وصار إثمه عليه، وكتبت هذه السنّة السيئة فى صحيفته، ومات عقيب ذلك بمدّة يسيرة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم، ظلم نفسه لغيره، وقد قيل:

ولو إنّا إذا متنا استرحنا … لكان الموت راحة كل حىّ

ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شىّ


(١) رءوسهما: كذا فى الأصل.
(٢) الأماكن: فى باريس ١٨٢٢ ص ٣٤٤ آ: الأملاك.
(٣) القيامة: القيمة.