للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفيه حدث مظلمة على الحجّاج، وهو أن ناظر الخاص (١) خرج بأعوانه إلى بركة الحاج، وصار يأخذ على الهدية التى (٢) جاءت صحبة الحاج مكسا، وصار يفتّش محاير النساء، ويأخذ ما معهم (٣) من الهديّة، يعوّقها حتى يأخذ المكس عنها، فكان يأخذ على النطع الواحد عشرة دراهم من الفلوس، وكذلك بقيّة أصناف الهديّة.

وكان القائم فى هذه المظلمة شخص من المكّاسة، يقال له سعد الدين بن المرة، وكان سعد الدين هذا فى خدمة قرقماس الشعبانى لما كان بمكّة المشرّفة، فأظهر ببندر جدّة من المظالم ما لا يسمع بمثله، ولم يعهد قبل ذلك ظلم بجدّة، فصارت من يومئذ وظيفة مستقلّة، يقال لها نيابة جدّة، وصار يحمل من جدّة الأموال الجزيلة إلى السلطان بمصر.

وكانت جدّة تحت حكم أمير مكّة، فأول من تحدّث فى أمر جدّة ونزع يد أمير مكّة المشرّفة منها: قرقماس الشعبانى فى دولة الملك الأشرف برسباى، وصار من يومئذ يتزايد أمرها فى المظالم ولا سيما فى أيام جانى بك نائب جدّة، فبلغ ما يحمل من جدّة من المال نحوا من سبعين ألف دينار، تؤخذ (٤) من العشور من أصناف المتاجر، فإن المراكب الهنديّة كانت تأتى من بندر عدن إلى جدّة، فيأخذ صاحب مكّة المشرّفة منها العشور بحسب ما (٥) تيسّر من ذلك؛ ثم زاد العيار واتّسع الأمر فى دولة الملك الأشرف قايتباى، حتى صار يأخذ من بندر جدّة فى كل سنة ما لا يحصى من المال، فكثرت المظالم فى سائر الثغور. - وفيه كثر الموت فى الجاموس، حتى قلّ الجبن واللبن جدّا بسبب ذلك، وتضعضع أحوال الفلاّحين، وضعف أمرهم عن وزن الخراج.

وفى صفر، طلع القضاة الأربعة إلى السلطان، لتهنئته بالشهر على العادة؛ فتكلّم


(١) ناظر الخاص: فى باريس ١٨٢٢ ص ٣٢٥ ب: ناظر الجيش.
(٢) التى: الذى.
(٣) معهم: كذا فى الأصل.
(٤) تؤخذ: تأخذ.
(٥) بحسب ما: بحسبما.