للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فهمه وحسن معرفته، وكان عنده رقّة حاشية، ويحب الخلاعة والمجون، ويحتمل الدقّة إذا جاءت عليه فى مجالس الشراب، ولا يغتاظ (١) من ذلك؛ وقد قاسى (٢) فى أوائل عمره شدائد ومحنا وشتاتا فى البلاد الشامية، وسجن بخزانة شمايل مدّة طويلة، وسجن بقلعة دمشق، وسجن بالمرقب، وقد صفا له الدهر فى آخر عمره، وطابت أوقاته فى البسط والانشراح.

ومات على فراشه، وهو سلطان بمصر، وغالب المؤرخين أثنوا عليه فى التاريخ، إلاّ الشيخ تقى الدين المقريزى، فإنه حطّ عليه بمساوئ كثيرة، منها أنه كان جهورى الصوت، وعنده سفاها فى كلامه، وكان غير مقبول الشكل، واسع العيون، زرىّ (٣) اللون، كثّ اللحية، معتدل القامة، مترك الوجه، كبير الأنف، ذا كرش كبير، يتجاهر بالمعاصى، وأكل الحشيش المستقطر، وكان كثير المصادرات (٤) لأرباب الدولة، ومحبّا لجمع المال، حتى قيل مات وفى الخزانة من المال ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار من الذهب العين؛ وكان عنده قسوة زائدة، إذا ظفر بمن له ذنب لا يرحمه، وكان يكبس بيوت الناس ويأخذ رخامها لجامعه، وذكر عنه أشياء كثيرة من هذا النمط، ولكن الشهابى ابن حجر أثنى (٥) عليه ولم يذكر من مساوئه شيئا.

وأما ما أنشأه من العمائر بالديار المصرية، وهو الجامع المؤيّدى الذى بجوار باب زويلة، وهو غاية فى الحسن، قال الملك المؤيّد فى بعض مجالسه، إنه نفق على بناء هذا الجامع، وما اشتراه له من الأوقاف، فجملة ذلك أربعمائة ألف دينار، غير ما دخل له من أرباب الدولة من رخام وأخشاب وغير ذلك؛ وأنشأ مارستانا ومدرسة برأس الصوة، مكان المدرسة الأشرفية، التى هدمت فى دولة الناصر فرج؛ وجدّد عمارة جامع المقياس؛ وعمر مئذنة (٦) وخلاوى بالمدرسة الخروبية التى فى برّ الجيزة؛ وجدّد


(١) يغتاظ: يغتاض.
(٢) قاسى: قاسا.
(٣) زرىّ: ردئ.
(٤) المصادرات: كذا فى طهران ص ١٤٣ آ، وكذلك فى لندن ٧٣٢٣ ص ١٤٦ آ، وأيضا فى باريس ١٨٢٢ ص ٣١٤ ب. وفى الأصل: المصادمات.
(٥) أثنى: أثنا.
(٦) مئذنة: مادنه.