للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الغلاء، وكثر الطعن، نادى السلطان للناس أن يصوموا ثلاثة أيام متوالية، وأن يخرجوا إلى الجوامع، ويطلبوا من الله تعالى الكريم بأن يكشف عنهم الفناء والغلاء، ففعلوا ذلك.

فلما تزايد الأمر، نزل السلطان وصحبته الخليفة والقضاة الأربعة، وسائر العلماء والمشايخ والصلحاء والزهاد، وكان السلطان لابس (١) جبّة صوف أبيض، وعلى رأسه عمامة صغيره بعذبة مرخاة، وعلى كتفه مئزر صوف أبيض تردّى به كهيئة الصوفية، وحملت الأعلام الخليفتية على رأسه، وقدّامه المصاحف على رءوس الناس، وخرجوا قدّامه بأبقار وأغنام، وخرج الناس قاطبة معه، حتى طائفة اليهود والنصارى والتوراة والإنجيل معهم، فتوجّه السلطان إلى خلف تربة الظاهر برقوق، ونزل عن فرسه وصلّى على الأرض من غير سجّادة، وتمرّغ بوجهه على التراب وبكى، وخطب هناك الجلال البلقينى على منبر وضع له، وضجّ الناس هناك بالدعاء إلى الله تعالى.

ثم إن السلطان قرّب هناك قربانا، وذبح هناك مائة وخمسين كبشا كبارا، وعدّة أبقار، وجملين، وفرّقها على الفقراء والمساكين، وفرّق هناك نحوا من ثلاثين ألف رغيف؛ ثم ركب السلطان بعد ذلك، وطلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله. - ولكنه لم يستسق أحد من السلف فى رفع الطاعون، وقد ذكر النبى، ، أنه شهادة ورحمة لهذه الأمة، وقد اختار الشيخ ولى الدين البكرى أنه يدعى برفعه وألّف (٢) فى ذلك كتابا، ولكن قال لا يجتمع له مثل الاستسقاء فإنه بدعة.

وقد مات فى هذا الطاعون الأديب الفاضل البارع القاضى مجد الدين فضل الله بن الصاحب فخر الدين بن مكانس، وكان من أعيان الرؤساء بمصر، مولده سنة سبع وقيل تسع وستين وسبعمائة، وكان من أذكياء العالم، وله شعر جيّد، وفيه يقول والده الصاحب فخر الدين، لمّا رأى حذقه وفطنته، فقال:


(١) لابس: كذا فى الأصل.
(٢) وألف: والف.