للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

طرابلس، وقد نزل (١) الأمير شيخ المرقب، فلقوه عليها، وأوصلوه التقليد والتشريف، فلم يقبل ذلك، وجهّز التشريف إلى الأمير نوروز، وأعلمه أنّه باق على طاعته؛ فزيّنت دمشق، ودقّت البشائر.

وفيه أقبلت سحابتان من جهة بريّة أيلة، والطور، حتى حاذتا بلد العريش، ومرّتا فى البحر، فإذا فى وسطهما تنّينان عظيمان، مثل عمودين عظيمين، لا يرى أعلاهما، وأسفلهما مما يلى الماء، وفى كل عمود منهما خطّ أبيض، بطوله، من أعلاه إلى أسفله، فيرتفعان عن الماء قدر ساعة، ثم ينحطّان، فيضرب كل منهما بذنبه فى البحر، فيضطرب اضطرابا شديدا، ثم يرتفعان؛ وذنب كل منهما بقدر جامور المنارة، التى يؤذّن عليها، فلم يزالا (٢) على ذلك حتى غابا عن الأبصار.

وأما من مات فى هذه السنة، ممن له ذكر من الأعيان: توفّى الشيخ سيف الدين يوسف بن محمد بن عيسى السيرامى الحنفى، شيخ المدرسة الظاهرية برقوق، فى ليلة السبت حادى عشرين ربيع الأول؛ واستقرّ عوضه ابنه نظام الدين يحيى؛ وكان منشأه بتبريز، حتى طرقها تمرلنك، فسار فى الجفل إلى حلب، وأقام بها، فاستدعاه الملك الظاهر برقوق، وقرّره فى مشيخة مدرسته، عوضا عن علاء الدين السيرامى، بعد موته فى سنة تسعين وسبعمائة؛ ثم أضاف إليه مشيخة خانكاة شيخو، بعد موت عزّ الدين الرازى، وناب عنه ابنه محمود فى الظاهرية؛ ثم ترك الشيخونية وبقى على مشيخة الظاهرية، حتى مات.

وتوفّى الشيخ جلال الدين عبد الله بن أحمد بن سليمان، خطيب داريا، وكان أصله من بيسان بدمشق، فى ربيع الأول، وكان مولده سنة خمسة وأربعين وسبعمائة، وكان شاعرا ماهرا، عارفا بفنون الأدب، حسن النظم، جيّد الشعر، عارفا باللغة والعربية، وكان عنده شجاعة وزعارة، مع كرم زائد، وكان واسع المعيشة، ومن شعره الرقيق قوله:

شهدت جفون معذبى بملاله … منى وأنّ وداده تكليف


(١) نزل: نازل.
(٢) فلم يزالا: فلا يزالا.