للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفيه دقّت البشائر بموت جكم، وكان من خبره أنّه لما تسلطن، استعدّ لأخذ بلاد الشمال، وأعرض عن مصر؛ ثم خرج من حلب يريد الأمير عثمان (١) بن طور على ابن قرايلك، وقد نزل بتركمانه فى أراضى آمد؛ فحصر جكم البيرة حتى أخذها، وقتل نائبها كزل، ثم عدّى الفرات من البيرة، فأتته رسل قرايلك، يرغب إليه فى رجوعه إلى حلب، وأنّه يحمل إليه من الجمال والأغنام عددا كثيرا، فلم يقبل.

وسار حتى قرب من ماردين، فنزل، وأقام أياما، حتى نزل إليه الملك الظاهر مجد الدين عيسى، وحاجبه فياض، من ماردين، فسار به إلى قرايلك، وحطم عليه، فقاتله قتالا كبيرا أبلى فيه جكم بنفسه بلاء عظيما، وقتل بيده إبراهيم بن قرايلك.

فانهزم لقتله التركمان إلى مدينة آمد، وامتنعوا بها، فاقتحم جكم، فى طائفة، عليهم، حتى توسّط بين بساتين آمد، فإذا هم قد أرسلوا المياه، فوحلت الأراضى، بحيث يرتطم فيهم الفارس بفرسه، فلا يقدر على الخلاص؛ فأخذ جكم، ومن معه، الرجم من كل جهة، وقد انحصروا فى مضيق بين الجبال، لا يمكن فيه كرّ ولا فرّ.

وصوّب بعض التراكمين على جكم، ورماه بحجر فى مقلاع، أصاب جبهته، فتجلّد قليلا، ومسح الدم عن وجهه ولحيته، ثم اختلط وسقط عن فرسه، فتكاثر التركمان على من معه وقتلوهم؛ فانهزم بقيّة العسكر، والتركمان فى أعقابهم تقتل وتأسر، فلم ينج منهم إلا القليل.

وطلب جكم بين القتلى حتى عرفه، فقطع رأسه، وبعثها إلى مصر؛ وقتل فى هذه الواقعة: الأمير ناصر الدين محمد بن شهرى، حاجب حلب، والأمير آقمول، نائب عينتاب، والملك الظاهر عيسى، صاحب ماردين، وحاجبه فياض؛ وفرّ الأمير كمشبغا العيساوى، والأمير تمربغا المشطوب، حتى لحقا بحلب.

وكانت هذه الوقعة (٢) فى سابع عشرين ذى القعدة، فدقّت البشائر بقلعة الجبل ثلاثة أيام، فكان كما يقال فى المعنى:


(١) عثمان: عثمن.
(٢) الوقعة: كذا فى الأصل.