وفيه، فى يوم الجمعة رابعه، عادت الخيول من الربيع، وظهر بين أهل الدولة حركة، فكثرت القالة، وبات المماليك يسعى بعضهم إلى بعض، فظهر الملك الناصر فى بيت الأمير سودون الحمزاوى، الذى عند بركة الناصرية، وتلاحق به كثير من الأمراء والمماليك، ولم يطلع الفجر، حتى ركب السلطان بآلة الحرب؛ فلما أشيع إظهاره اضطربت القاهرة، ولبس العسكر آلة الحرب، ووقع القتال بين الأمراء، وصار مع الملك الناصر فرقة، ومع أخيه المنصور فرقة.
فكان من عصبة الملك المنصور: الأتابكى بيبرس، وسودون المحمدى، أمير آخور، وأينال باى بن قجماس، وسودون الماردينى، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات، والعشرات، والمماليك جماعة كثيرة.
وكان من عصبة الملك الناصر: الأمير يشبك الشعبانى، وسودون الحمزاوى، وجركس القاسمى المصارع، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات، والعشرات، والمماليك السلطانية جماعة كثيرة.
فلما اتّقعوا، كانت النصرة للأمير يشبك الشعبانى، وانكسر الأتابكى بيبرس بمن معه، وصعد إلى باب السلسلة، وتحصّن بها.
فعند ذلك ركب الملك الناصر من بيت الأمير سودون الحمزاوى، الذى عند بركة الناصرية، وهو لابس آلة الحرب، وإلى جانبه ابن غراب، وعليه آلة الحرب، وسار بمن اجتمع إليه يريد القلعة، فقاتله سودون المحمدى، أمير آخور، وأينال بيه ابن قجماس، وبيبرس الكبير، ويشبك بن أزدمر، وسودون الماردينى، قتالا ليس بذاك، ثم انهزموا.
وصعد السلطان إلى القلعة، وجلس بباب السلسلة، ثم أحضروا الخليفة، والقضاة الأربعة، وبايعوه بالسلطنة ثانيا؛ فلما طلع إلى القلعة، رسم لأخيه الملك المنصور أن يقيم بدور الحرم، محتفظا به، فكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية سبعين يوما، فما كان أغناه عن هذه السلطنة.