للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأعانهم السلطان على نفسه بإخراج الأمير يشبك بن أزدمر، وأزبك، فأبدوا عند ذلك صفحات وجوههم، وأعلنوا بخلافه، وصاروا إلى أينال بيه بن قجماس، ليلة الجمعة، وسعوا فيما هم فيه، ثم دسّوا إليه سعد الدين بن غراب، كاتب السرّ، فخيّله منهم، حتى امتلأ قلبه خوفا، وكادت أن تزهق روحه، كما قيل:

لعمرى ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق

فلما علم ابن غراب بما هو فيه من الخوف، حسّن له أن يفرّ، فمال إليه، وقام وقت الظهر من بين حرمه وأولاده، وخرج من ظهر القلعة، من باب السرّ الذى يلى القرافة، ومعه الأمير بيغوت، فركبا فرسين، قد أعدّهما ابن غراب، وسارا مع بكتمر مملوك ابن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهره أيضا، إلى بركة الحبش، ونزلا، وهما معهما، فى مركب، وتركوا الخيل، نحو طرا.

وغيّبوا نهارهم فى النيل، حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت ابن غراب، وكان فيما بين الخليج وبركة الفيل، فلم يجدوه فى داره، فمرّوا على أقدامهم حتى أووا (١) فى بيت بالقاهرة لبعض معارف بكتمر، مملوك ابن غراب؛ ثم بعثوا إلى ابن غراب، فحوّل السلطان إليه، وأنزله عنده بداره، من غير أن يعلم بذلك أحد.

قال تقىّ المقريزى (٢): «قد حدّثنى بكتمر المذكور بهذا فيما بعد، وقد صحبته فى السفر، فبلوت منه دينا، وصدق لهجة، وشجاعة، ومعرفة، ومحبّة فى العلم وأهله».

فلما بلغ الأمراء هروب الملك الناصر، ركبوا وطلعوا القلعة بعد المغرب، واجتمعوا فى باب السلسلة؛ ثم ضربوا مشورة فيمن بولّوه السلطنة، فوقع الاتّفاق على سلطنة سيدى عبد العزيز، أخو الملك الناصر فرج، فطلبوه من دور الحرم.

وحضر الخليفة المتوكّل، والقضاة الأربعة، فخلعوا الملك الناصر من السلطنة، وولّوا (٣) أخاه عبد العزيز، فكانت مدّة سلطنة الملك الناصر فرج، فى هذه المرّة إلى أن خلع، ست سنين وخمسة أشهر وعشرة أيام، وسيعود إلى السلطنة ثانى مرّة، كما سيأتى الكلام على ذلك، انتهى ذلك.


(١) أووا: أوو.
(٢) المقريزى: انظر السلوك ج ٣ ص ١١٧٨.
(٣) وولوا: وولو.