للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما استبدّ الأمير محمود بن على بن أصفر عينه، المعروف بجمال الدين الأستادار، وتحكّم فى أمور الدولة، منذ أعوام بضع وتسعين، أكثر من ضرب الفلوس شرها فى الفائدة.

فلم يمت (١) الظاهر برقوق، حتى صارت الفلوس هى النقد الرابح، الذى تنسب إليه قيم الأعمال كلها، وأثمان المبيعات بجملتها؛ وقلّت الدراهم الكاملية، لترك السلطان والرعيّة ضربها، ولسبكهم إياها، واتّخاذها حليّا وأوانى.

وردف ذلك كثرة النفقات فى العسكر، من الذهب المخلّف عن الظاهر، فكثر بالأيدى وصار نقدا رائجا، إلا أنّه ينسب إلى الفلوس، ولا تنسب الفلوس إليه، فيقال كل دينار بكذا وكذا درهم من الفلوس.

وصارت الفضّة مع هذا كأنّها من جملة العروض، [تباع بحراج فى النداء] (٢)، كل درهم من الكاملية بكذا وكذا من الفلوس.

ثم دخل الفساد فى الفلوس، فضرب بالإسكندرية منها شئ أقلّ من وزن فلوس القاهرة، وتمادى أمرها فى النقصان، حتى صار وزن الفلس أقلّ من ربع درهم، وكانت القفّة، زنة مائة وعشرين رطلا، عنها خمسمائة درهم، فصارت زنة مائة وثمانية عشر رطلا، ثم صارت مائة وسبعة عشر رطلا، ثم صارت مائة وخمسة عشر رطلا، ثم صارت مائة واثنى عشر رطلا، واستمرّت كذلك مدّة أعوام.

فلما كان فى هذه المحن والحوادث، كثرت فلوس الإسكندرية، حتى بقيت زنة القفّة ثمانية وعشرين رطلا، فشنّعت القالة، وكثر تعنّت الناس فى الفلوس، وزهدوا فيها، وكثرت رغبتهم فى الذهب، فبذلوا فيه الكثير من الفلوس، حتى بلغ هذا المقدار؛ فامتعض الأمير يشبك الدوادار لذلك، وتقدّم بإبطال ضرب الفلوس بالإسكندرية، فبطلت.

وبلغ سعر لحم الضأن، كل رطل بخمسة دراهم ونصف؛ والدرهم الكاملى كل


(١) يمت: تمت
(٢) تباع بحراج فى النداء، يعنى تباع بالمزايدة عليها.