وفيها عاد الأمير طاز، أمير ركب المحمل، وقد عاد من الحجاز؛ فلما طلع إلى القلعة، عرض على السلطان الملك المجاهد، صاحب اليمن، فلما مثل بين يدى السلطان، أمر بنزع قيوده، وأطلقه، ورسم له بالعود إلى بلاده؛ ثم إنّ السلطان أرسل معه الأمير قشتمر المنصورى، أحد الأمراء العشرات، ليوصله إلى مكّة.
وكان الملك المجاهد لما أفرج عنه السلطان، أهدى إلى السلطان هدية حفلة، من جوار، ومن عبيد، ومن أزر، ومن شاشات، ومن صينى، ومن عود، ومن حصى لبان، وغير ذلك من التحف، وقيل، وأهدى إليه جملة مال.
فلما خرج من مصر، ووصل إلى الينبع، وثب هناك، ومن معه من جماعته على الأمير قشتمر، الذى خرج صحبته، وأراد قتله؛ فلما جرى ذلك، قبض أمير الينبع على الملك المجاهد، ووضعه فى الحديد، وسلّمه إلى الأمير قشتمر، فرجع به إلى القاهرة؛ فلما علم السلطان بذلك تغيّر خاطره على الملك المجاهد، وأرسله وهو مقيّد إلى ثغر الإسكندرية، واحتاط على موجوده.
وفى هذه السنة تزايدت المظالم بالديار المصرية، وسبب ذلك: أنّ شخصا من الأراذل، يقال له الفار، وكان أصله مكّاسا، ثم بقى من رسل الديوان المفرد، ثم صار يتقرّب إلى السلطان يأذى الناس قاطبة، فحظى عنده بسبب ذلك، وصار من خواصّه، فأحدث من المظالم ما لا أحدثه هناد فى زمانه، فكثر الدعاء على السلطان بسبب ذلك، وتغيّرت خواطر الأمراء عليه.
فلما كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة، وثب جماعة من الأمراء على السلطان، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا بسوق الخيل؛ وكان رأس الفتنة الأمير طاز المنصورى، والأمير بيبغا الشمسى، والأمير بيغرا الناصرى.
فحطم الأمير طاز، ومعه جماعة من الأمراء، والعسكر، فملسكوا باب السلسلة، ثم طلعوا إلى القلعة، وهم راكبون، إلى الحوش، ثم إنّهم دخلوا إلى الدهيشة، وقبضوا على الملك الناصر حسن، فلما قبضوا عليه، أدخلوه إلى دور الحرم، ووكّلوا به جماعة من الخدّام.