بالدهيشة، فخرج سيدى حاجى، وجلس على السماط، وأكل منه؛ ثم دخلنا بالطعام الذى كنا أفردناه لسيدى حاجى، وسيدى حسين، فأكل منه الملك الكامل شعبان، وهو فى السجن بالدهيشة، فى المكان الذى كان فيه أخويه»؛ وهذا من الغرائب والعجائب، كما يقال:
ما بين طرفة عين وانتباهتها (١) … يقلب الدهر من حال إلى حال
وقد قيل فى المعنى:
لا تأمننّ الدهر وهو مسالم … سلس القياد فقد يعود محاربا
واحذر تقلّبه ولا تعجب له … إن أركب الماشى وأمشى الراكبا
ولكم ذليل ساعدته عناية … من ذى الجلال فعزّ فيها جانبا
وقال آخر فى المعنى:
كم حاربتنى شدّة بجيوشها … وضاق صدرى عن لقاها وانزعج
حتى إذا أيست من خلاصها … جاءتنى الألطاف تسعى بالفرج
فلما قبضوا على الملك الكامل، أقام محبوسا، فى مكان بالدهيشة، ثلاثة أيام؛ فلما تسلطن حاجى، أمر بخنق أخيه الملك الكامل شعبان، فخنق تحت الليل، فى ليلة الخميس ثالث جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
وكانت مدّة سلطنة الملك الكامل شعبان بالديار المصرية، سنة وشهرين ونصف؛ ولما مات دفن على والده الناصر محمد بن قلاون، داخل القبة التى بين القصرين.
وكان صفة الملك الكامل شعبان، أشقر اللون، أزرق العينين، وافر الأنف، مجدّر الوجه، يمهل إلى الصفرة، وكان شديد الخلق، سيئ التدبير؛ وكانت أمّه جارية رومية الجنس، فجمع بين قبح الفعل والشكل؛ وقال الصلاح الصفدى:
بيت قلاون سعاداته … فى عاجل كانت بلا آجل
حلّ على أملاكه للردى … دين قد استوفاه بالكامل
ومن الحوادث فى دولة الملك الكامل، أنّ بحر النيل قد احترق، فيما بين مصر
(١) وانتباهتها: أنت باهتها.