للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إنّ الناصر أحمد استمرّ فى المحاصرة، حتى نفد جميع ما كان عنده من المال، والغلال؛ فصار يسبك ما عنده من السروج الذهب، والكنابيش الزركش، ويخلط عليه شيئا من النحاس، ويضربها مثل الدنانير، وينفقها على عسكره، فكان الدينار من ذلك، يساوى خمسة دراهم من الفضّة.

فتغلّب عليه عسكره، الذى كان عنده بقلعة الكرك، وصاروا يتسحّبون من عنده شيئا، فشيئا، وقد كدّهم الجوع، والعطش، والتعب من القتال، وقد (١) أقاموا معه فى المحاصرة بقلعة الكرك، نحو ثلاث سنين، حتى ضجروا من المحاصرة، ليلا ونهارا.

فلما كان يوم الاثنين ثانى عشرين ذى الحجّة من سنة خمس وأربعين وسبعمائة، أرسل الملك الناصر أحمد يطلب الأمان لنفسه، من الأمراء الذين (٢) توجّهوا إليه فى التجريدة، فأرسلوا له بالأمان، فنزل إليهم وفى رقبته منديل؛ فلما نزل إليهم، قيّدوه، وأرسلوا يعلموا (٣) أخاه الملك الصالح بمسكه؛ فلما ورد ذلك الخبر إلى القاهرة، دقّت البشائر بالقلعة، وزيّنت القاهرة.

ثم إنّ السلطان عيّن الأمير منجك اليوسفى، وزير الديار المصرية، بأن يتوجّه إلى الكرك، ويقطع رأس أخيه الناصر أحمد؛ فتوجّه من يومه إلى الكرك، وقطع رأس الناصر أحمد، ووضعها فى علبة، وأحضرها إلى بين يدى الملك الصالح؛ وآخر الطبّ الكىّ، فكان كما يقال فى المعنى مضمّنا للمثل السائر:

حاصرته فنقبت صور لباسه … نقبا له تحت اللباس نفوذ

فأجابنى لما رآنى ظافرا … خذها فكل محاصر مأخوذ

ومما نقله الصلاح الصفدى، فى تاريخه، أنّ الملك الصالح إسمعيل، لما وضعت بين يديه رأس أخيه الناصر أحمد، سجد لله شكرا، وصار يتأمّلها طويلا، ثم أمر بدفنها، فدفنت.


(١) وقد: وقد وقد.
(٢) الذين: الذى.
(٣) يعلموا: كذا فى الأصل.