للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم لما بلغ الملك الناصر توجّه المظفر من هناك إلى السويس، أرسل الأمير أسندمر كرجى خلفه، فقبض عليه من أثناء الطريق، وأحضره إلى القلعة تحت الليل، فسجن بالبرج الكبير.

فلما كان يوم الخميس رابع عشر ذى القعدة، جلس السلطان وقت الظهر فى محلّ خلوة، ثم طلب الملك المظفر، فلما مثل بين يديه وبّخه بالكلام، وعدّد له ما وقع منه من القبائح فى حقّه.

ثم إنّ السلطان أحضر المشاعلى، وأمر بخنق المظفر بيبرس بين يديه، فخنق حتى مات، وقضى نحبه، وكانت وفاته فى يوم الخميس المذكور أعلاه، من سنة تسع وسبعمائة.

فلما مات، أرسل السلطان إلى زوجته، وأمرها أن تدفنه، فحمل من القلعة، ودفن فى تربة فى القرافة الصغرى؛ ثم بعد مدّة شفع فيه بعض الأمراء عند السلطان، فرسم بنقله، ودفنه فى خانقته التى أنشأها عند الدرب الأصفر، بالقرب من خانقة سعيد السعداء، فدفن بها فى أواخر سنة تسع وسبعمائة.

وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، أحد عشر شهرا وأياما، وكانت دولته أشرّ أياما مع قصرها، وقع فيها الغلاء، وشرقت البلاد من عدم النيل، ووقع الفناء، والفتن بين الأمراء، وثقل أمره على الرعيّة، ولم ير (١) الناس فى أيامه ما يسرّهم من الخير، بل كانت كلها أنكادا وشرورا، ووقوف حال (٢) بين الناس.

وكان الملك المظفر بيبرس جميل الصورة، أبيض اللون، أشقر اللحية، أشهل العينين؛ وكان وافر العقل، عارفا بأحوال المملكة، كفوا للسلطنة؛ وكان كثير البرّ والصدقات، ولا سيما ما فعله فى خانقته، التى أنشأها، من البرّ والمعروف، ولكن تلاعبت به الدنيا كما تلاعبت بغيره، كما قد قيل فى المعنى:

يا طالب الدنيا الدنيّة إنّها … شرك الردى وقرارة الأكدار


(١) ولم ير: ولم يرا.
(٢) حال: حالا.