للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هذا كله جرى بالقلعة تحت الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، فلما طلع النهار، شاعت الأخبار بذلك.

ثم إنّ الزمام شرع فى تجهيز السلطان، فغسّله وكفّنه، وصلّى عليه، ونزل به من باب الدرفيل، هو والأمير منكوتمر، فدفنا بالقرافة الصغرى، فكانت مدّة سلطنة الملك المنصور لاجين إلى أن قتل، نحو سنتين وشهرين وأيام.

وكانت قتلته ليلة الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، ومات وله من العمر، نحو ثلاث وستين سنة.

وكان صفته طويل القامة، أبيض اللون، أشقر اللحية، أزرق العينين، مهاب الشكل، موصوفا بالفروسية، شجاعا بطلا، ديّنا خيّرا، أبطل فى أيامه ما حدث من المكوس بالديار المصرية، وكان ناظرا إلى فعل الخير.

ولم يكن من سيئاته سوى مملوكه منكوتمر، لما راك البلاد، فأوقع الفتنة بين الأمراء والسلطان، وكان يجلب الدعاء من الناس على السلطان بما يحدث منه من المظالم، حتى تمنّى كل أحد زوال السلطان لاجين، وعود الملك الناصر محمد من الكرك.

وفى (١) ثانى يوم قتل السلطان لاجين، حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير بكتاش، أمير سلاح، وكان توجّه إلى دمشق مع طائفة من العسكر، بسبب القبض على قفجق، نائب الشام.

فلما حضر، نزل إليه نوغان وكرجى، اللذان (٢) قتلا السلطان لاجين؛ فلما وقعت عين الأمير بكتاش عليهما، قبض عليهما وأمر بتوسيطهما، فوسّطا فى الحال، فكان بين قتلة الملك المنصور لاجين، وبين توسيطهما، ليلة واحدة، وقد أظهر الله تعالى سرّ السلطان لاجين فيهما، انتهى ذلك.

ثم إنّ الأمراء اجتمعوا بالقلعة، وضربوا مشورة فيمن يولّونه (٣) سلطانا، فوقع


(١) وفى: فى.
(٢) اللذان: الذى.
(٣) يولونه: يولوه.