للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إنّ السلطان أقام بدمشق بعد العسكر مدّة، وتوجّه إلى مصر، فكان يوم دخوله يوما مشهودا، وزيّنت له القاهرة بالزينة الفاخرة، وسار فى موكب حفل حتى طلع إلى القلعة.

وفى هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فيها، فى رجب، توفّى القاضى كاتب السرّ محيى الدين بن عبد الظاهر، فكان بينه وبين وفاة (١) ولده فتح الدين دون السنة؛ وكان مولد القاضى محيى الدين سنة عشرين وستمائة، فكانت مدّة حياته اثنتان وسبعون سنة، ولما مات دفن بالقرافة الصغرى؛ وهو أول من تسمّى كاتب السرّ، وكان عالما فاضلا، ناظما ناثرا، وله ديوان أدبيات كله غرر ومحاسن، ومما ينسب إليه من التغزّلات الرقيقة، وهو قوله:

لئن جاد لى بالوصل منه خياله … وأصبح مجهودا رقيب ولائم

ألا إنما الأقسام تحرم ساهرا … وآخر يأتى رزقه وهو نائم

ومن تضمينه البديع:

لقد قال لى إذ رحت من خمر ريقه … أحثّ كؤوسا من ألذّ مقبل

يلثم شفاهى بعد رشف سلافها … تنقل فلذات الهوى فى التنقل

ولما توفّى القاضى محيى الدين، تولّى بعده القاضى تاج الدين بن الأثير، وصار صاحب ديوان الإنشاء بمصر.

وفى هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وتسعين، فيها توفّى قاضى قضاة الحنفية معزّ الدين النعمان؛ وتولّى بعده القاضى شمس الدين محمد السروجى الحنفى.

وفى هذه السنة، فى شعبان، توفّى الإمام الحافظ الأسعردى نور الدين على، ومن لطائف مجونه قوله:

لما ثنى جيده للسكر مضطجعا … وهنا ولولا شفيع الراح لم يتم

دببت ليلا عليه بعد هجعته … سكرا فقالوا: دبيب النور فى الظلم


(١) وفاة: وفات.