للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فكسروهم وأسروهم، ونهبوا أولادهم ونساءهم، وباعوهم للتجّار، فجلبوهم إلى الأمصار.

فاشترى منهم الملك الصالح نجم الدين أيوب، واستكثر من مشتراهم، وبنى لهم قلعة بالروضة كما تقدّم، فهذا كان مبتدأ إحضارهم إلى الديار المصرية.

فمكّن الله لهم الأسباب، وفتح أمامهم الأبواب، وعوّضهم بعد المذلّة والهوان، وفراق الأقارب والإخوان، دخولهم فى الإيمان، وتخويلهم فى جزيل الإحسان، فمنهم من يصير أميرا، ومنهم من يصير سلطانا، فسبحان العاطى لهم بلا امتنان.

فكان أول من تسلطن منهم الملك المعزّ أيبك التركمانى، وهو أول من جرى عليه الرقّ.

قال الإمام أبو شامة: لما تسلطن أيبك التركمانى، فلم ترض أهل مصر به، فكان إذا ركب يسمعونه العوام (١) ما يكره، ويقولون له: «نحن ما نريد إلاّ سلطانا رئيسا، ولد على فطرة الإسلام»، فكان أيبك يغدق على العوام بالعطايا الجزيلة، حتى يسكتوا عنه (٢).

ثم إنّ جماعة من المماليك الصالحية، تقلّبوا على الملك المعزّ، وقالوا: «لابد لنا من واحد نسلطنه، من أولاد بنى أيوب»؛ فوقع الاتّفاق بينهم، على أن يحضروا بشخص من أولاد الملك مسعود، صاحب حماة، وهو من ذرية بنى أيوب، وكان عند عمّاته ببلاد الشرق، فأرسلوا خلفه، فلما حضر سلطنوه ولقّبوه بالملك الأشرف، وكان اسمه الأمير عيسى، وقيل يوسف، وكان له من العمر نحو عشرين سنة.

فلما تسلطن، لم يعزل أيبك من السلطنة، بل صار معه مثل الشريك له، فكان يخطب باسمهما يوم الجمعة على المنابر، وضربت السكّة على الدنانير والدراهم باسمهما، واستمرّ شريك الملك المعزّ فى السلطنة، حتى قويت شوكة (٣) الملك المعزّ، وأنشأ له


(١) العوام: الأعوام.
(٢) حتى يسكتوا: حتى يسكتون.
(٣) شوكة: شوكت.