للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالنفير عاما، ولا يتأخّر كبير ولا صغير، فإنّ الفرنج قد وصلت بوادرهم إلى المنصورة.

فعند ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية، لعظم هذه البليّة؛ ثم جاءت الأخبار بأنّ الفرنج ملكوا ثغر دمياط، وسبب ذلك أن نائب دمياط خاف على أهل المدينة، فهرب هو وإياهم تحت الليل، وترك أبواب المدينة مفتّحة؛ فلما أصبحوا الفرنج، وجدوا أبواب المدينة مفتّحة، ولا فيها أحد من الناس، فظنّوا الفرنج أنّ ذلك مكيدة من المسلمين، فتمهّلوا حتى ظهر لهم أنّ ما فى المدينة أحد من المسلمين، فدخلوا إليها من غير مانع وملكوها.

ثم إنّ الملك الصالح خرج من القاهرة، وهو عليل فى محفّة، وخرج معه السواد الأعظم من أهل مصر، وحضر عربان الوجه القبلى، وعربان البحيرة، وعريان الشرقية، فاجتمع معه نحو عشرين ألف مقاتل، خارجا عن المشاة.

فلما وصل الملك الصالح إلى المنصورة، أمر بشنق نائب دمياط، ومعه جماعة من الأمراء الذين (١) كانوا بدمياط، فشنق فى يوم واحد نحو خمسين أميرا، بسبب خروجهم من مدينة دمياط، بغير إذن من السلطان؛ فلما فعل ذلك، نفر عنه قلوب العسكر، وقصدوا الوثوب عليه هناك، وهو فى الخيمة، فأشار بعض الأمراء بترك ذلك، وقال: «ما هذا صواب فى هذا الوقت».

ثم صار القتال عمّالا بين المسلمين والفرنج، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم؛ هذا والسلطان الملك الصالح كل يوم يتزايد فى المرض، وامتنع عن اجتماع الأمراء به.

فلما كانت ليلة الأحد رابع عشر شعبان، سنة سبع وأربعين وستمائة، توفّى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد.

فلما مات بالمنصورة، كتم موته خوفا من الفرنج أن يطمعوا (٢) فى أخذ الديار المصرية؛ فحمل الملك الصالح فى زورق تحت الليل، وجئ به إلى قلعة الروضة، فدفن فى تلك القاعة المقدّم ذكرها، فدفن بها مدّة ثم نقل من بعد ذلك


(١) الذين: الذى.
(٢) أن يطمعوا: أن لا يطمعوا.