وفى سنة ثمان وستمائة، توفّى القاضى السعيد هبة الله أبو القاسم عبد الله بن جعفر ابن سناء الملك المصرى، عين أعيان الشعراء بالديار المصرية، ولد سنة خمسين وخمسمائة، وهو مؤلّف كتاب «دار الطراز فى الموشحات»، وله ديوان فى فن البديع، ومن شعره الرقيق هذه الأبيات من قصيدة، وهى من المخترعات، منها قوله:
سعدت ببدر خدّه برج عقرب … فكذّب عندى قول كل منجّم
وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا … بأوضح منى حجّة عند لوّمى
ولا سيما لما مررت بمنزل … كفضلة صبر فى فؤاد متيّم
وما بان لى إلا بعود أراكة … تعلّق فى أطرافه ضوء مبسم
وهذا البيت من المخترعات، التى لم يسبق إليها؛ وكان القاضى الفاضل، شيخ ابن سناء الملك، وهذا الشبل من ذاك الأسد، انتهى ذلك.
واستمرّ الملك العادل فى السلطنة بمصر، حتى خرج إلى الشام لتفقّد الأحوال، فمرض هناك، ومات، ودفن بدمشق؛ فكانت وفاته فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدّة سلطنته بمصر ثمان عشرة سنة وتسعة أشهر.
وكان العادل رجلا طويلا جسيما، مدوّر الوجه، شرها فى الأكل، يأكل الخروف وحده، وكان يحبّ من يأكل معه مثله؛ وكان كثير الجماع لا يمل منه.
ولما مات خلّف من الأولاد ثلاثة، وهم الكامل محمد، والمعظم عيسى، والأشرف موسى شاه أرمن؛ فاستقرّ الملك الكامل محمد، بعده بمصر، واستقرّ الملك المعظم عيسى، بحماة، واستقرّ الملك الأشرف موسى شاه أرمن، بحلب، وكان موسى شاه أرمن بديع الجمال، وهو ممدوح القاضى كمال الدين بن النبيه، حيث يقول من قصيدة تائية:
يا طالب الرزق إن ضاقت مذاهبه … قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت