للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم بعد أيام انكشفت هذه الواقعة، وظهر أنها مفتعلة، فلما تحقّق السلطان ذلك، فأحضر عبد القادر بن الرماح، والشخص الذى تزايا بزى الدشطوطى، وخادم المكان الذى كانوا به، فضربوا بين يدى السلطان بالمقارع، وأما عبد القادر بن الرماح الذى كان سببا لذلك، رسم السلطان بحلق ذقنه، وأشهره فى القاهرة على حمار، ثم سجنه بالمقشرة إلى أن مات عقيب ذلك؛ وكانت هذه الواقعة من أغرب الوقائع التى لم يسمع بمثلها، ومع أن عبد القادر بن الرماح كان من ذوى العقول، ولكن [يحبو الزناد، ويكبو] (١) الجواد، كما يقال:

وإنّى رأيت المرء يشقى بعقله … كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل

وفى صفر أنعم السلطان على مملوكه جان بلاط من يشبك بأمرة عشرة، وهى أول استظهاره فى العلو والرفعة، وجان بلاط هذا هو الذى تسلطن فيما بعد - وفيه جاءت الأخبار أن صاحب فاس من بلاد الغرب، بأنه قد غزا الفرنج واستخلص منهم عدّة بلاد كانت أخذت من يد المسلمين، فأعادها لهم، وقتل ولده فى المعركة. - وفيه صار العسكر من المماليك السلطانية يدخلون إلى القاهرة شيئا فشيئا قبل حضور الأتابكى أربك، فتنكّد السلطان لذلك.

وفى ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوى، وكان غالب الأمراء مسافرا فى التجريدة، فكان أمر السماط فيه بحكم النصف عن العادة. - وفيه بلغ السلطان أن المماليك الذين (٢) حضروا من التجريدة، يقصدون أن يثيروا فتنة كبيرة، ويطلبوا من السلطان نفقة بسبب هذه النصرة التى وقعت لهم، ثم بلغ السلطان أن المماليك قالوا:

إن كان السلطان ما يعطينا نفقة قتلنا الأمراء والمماليك الذين (٢) كانوا بمصر لم يسافروا، وذكروا كلمات كثيرة من هذا النمط.

فلما تحقّق السلطان ذلك أخذ فى أسباب تحصيل المال، فاجتمع بالقضاة الأربعة وذكر لهم أن الخزائن نفذ ما كان فيها من المال، وأن المماليك يقصدون (٣) نفقة وإن لم


(١) يحبو … ويكبو: يحبوا … ويكبوا.
(٢) الذين: الذى.
(٣) يقصدون: يقصدوا.