للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفى شوال، وردت الأخبار بأن وقع بالأندلس، من بلاد الغرب، زلزلة عظيمة، ونزل بها صاعقة عظيمة، أهلكت من الناس ما لا يحصى، ووقع بها خسف عظيم حوله، نحو من ثلاثمائة مثل، وهلك بسببه ما لا يحصى من العالم، وكان أمرا مهولا.

وفيه كان وفاء النيل المبارك أوفى (١) ثانى عشر مسرى، ونزل المقر الناصرى محمد بن السلطان وكسر السدّ، وكان صحبته الملك الصالح محمد بن الظاهر ططر، وكان النيل توقّف ليالى الوفاء، وحصل بسببه للمتفرّجين ما لا خير فيه، وحرقت الخيام التى كانت بالروضة، ولم يكن للوفاء بهجة مثل العادة.

فلما أوفى النيل، توقّف عن الزيادة بعد الزيادة، أى الوفاء، ونقص بعض أصابع فتقلّق الناس لأجل ذلك، وتشحّطت الغلال، فرسم السلطان للقضاة الأربعة (٢) ومشايخ العلم، أن يتوجّهوا إلى المقياس، ويقروا (٣) سورة الأنعام أربعين مرّة، ويدعوا إلى الله تعالى بالزيادة؛ فلما فعلوا ذلك نقص النيل ثلاثة أصابع، واستمرّ على ذلك، فكان منتهى الزيادة فى تلك السنة سبعة عشر ذراعا وأصبعين، ثم هبط بسرعة فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بالديار المصرية.

وفى ذى القعدة، جاءت الأخبار من دمشق، بأن القاضى نجم الدين بن حجّى قد ذبح فى بستان له، ولا يعلم من ذبحه، وكان عالما فاضلا، ريسا حشما، وكان مولده سنة سبع وستين وسبعمائة، تولّى قضاء الشافعية بدمشق غير ما مرّة، وتولّى كتابة سرّ مصر، وجرى عليه محن عظيمة، وآخر الأمر مات قتيلا، وكان قد تكالب على المناصب وحبّ الرئاسة، وعادى الناس لأجل الدنيا، وقد غدرت به، كما قيل فى المعنى:

قد نادت الدنيا على نفسها … لو كان فى العالم من يسمع

كم واثق بالعمر وارثته … وجامع بدّدت ما يجمع


(١) أوفى: أونا.
(٢) الأربعة: الأربع.
(٣) ويقروا: كذا فى الأصل.