للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فمعنى قوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: يتلاشى الزَّبد، ويتبدد ما معه من ورق الشجر وغيره فلا يُنتَفَعُ به.

فائدة:

الآية الكريمة تضمنت مَثَلَين ذكرهما ابن كثير في تفسيره:

- المثل الأول مَثَلٌ مائي: شبّه الله الوحي الذي أنزله من السماء لحياة القلوب بماء المطر الذي أنزله لحياة الأرض، وشبّه القلوب بالأودية؛ فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كواد كبيرٍ يسع ماءً كثيرًا، وقلب صغير لا يسع إلا القليل كواد صغير.

فسالتِ الأودية بقَدْر ما فيها من ماء؛ فكل قلبٍ حمل من الهدى بقدر ما فيه من العلم.

وكما أن السيل إذا جرى حمل معه زَبَدًا وشوائب وورق الشجر وغيره، فإن القلوب إذا سالت بالعلم أثارت معها الشبهات والشهوات.

وهكذا يضرب الله الحق والباطل: فالشبهات والشهوات تتبدَّد أمام الحق، ويبقى صريح العلم كالماء الصافي يمكث في قعر الوادي وينتفع الناس به، كذلك يستقر الإيمانُ في قلب المؤمن.

- المثل الثاني مَثَلٌ ناري: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ):

شبّه الحق والباطل بالخبث والشوائب التي تخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس في صناعة الحلي وغير ذلك، فتميزه النار وتفصله عن الجوهر وتطرح منه الشوائب، فتذهب جفاءً.

وكذلك الشبهات والشهوات يرميها العلم الذي في قلب المؤمن، كما تطرح النار شوائبَ المعدن، ويبقى الذهب الخالص والفضة فينتفع الناس بهما.

جِفان

قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].

(وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) الجِفَان: جمع جَفْنَة، وهي: وعاء متّسع للطعام.

كالجواب: جمع جابِيَة، وهي: الحوض الواسع الذي يُجمع فيه الماء لسقي الأنعام وغيرها.

والمعنى: أنها أوعية كبيرة وواسعة باتساع الحوض الكبير.

(وَقُدُورٍ راسِيَاتٍ) قدور عظيمة الحجم، ثابتة راسية لا تتحرك من كِبَر حجمها.

<<  <   >  >>