للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والمراد في هذه الآية المعنى الثاني، وهو الطلب والاستدعاء.

فمعنى الآية الكريمة: لكم فيها ما تستدعونه وتطلبونه وتتمنونه.

قال العلماء: هذه الآية اشتملت على غاية الترغيب؛ فلكم في الجنة كل ما تشتهي النفس وكل ما تطلب، والطلب أعم وأوسع مما تشتهيه النفس.

* أما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧].

(تَدَّعُونَ) فالادعاء هنا يحتمل كلا المعنيين:

- فبالمعنى الأول؛ أي: الذي كنتم تَزعمون وتفترون باطلًا أنه لا جنة ولا نار ولا عذاب.

- وبالمعنى الثاني؛ أي: الذي كنتم به تطلبون من ربكم في الدنيا أن يعجله لكم وهو العذاب. وكلاهما صحيح لا يتعارض.

تُدلوا

قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].

(تُدْلُوا) الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر للوصول للماء، ثم استعير للتوصّل إلى الشيء.

وبهذا المعنى الأساس جاء قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ [يوسف: ١٩] (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) أي: أرسلَ دَلوهُ وأنزله في البئر.

- والمعنى لقوله تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) له احتمالان كلاهما صحيح:

١ - لا تُدلوا؛ أي: تُصانعوا وترسلوا بأموالكم إلى الحكام -وهم القضاة- فتُرشوهم ليقضوا لكم بِالْباطِل. ويدخل في ذلك تقديم الهدايا لهم والضيافة والخدمات؛ ليحكموا لصالحكم.

٢ - لا تُدلوا وتمدّوا القضاة بالحجج الباطلة، أو تلبِّسوا عليهم ليحكموا كذلك لصالحكم زورًا وبهتانًا.

كما قال النبي : «إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصِمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحنَ بحُجَّتِه من بعضٍ؛ فأقضي له على نحوِ ما أسمع، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» صحيح البخاري (٦٩٦٨)، ومسلم (١٧١٣).

وقد بينت الآية الكريمة بعض صور أكل أموال الناس بالباطل عند التقاضي، وهما صورتان:

١ - الإدلاء بالمال ليستميلوهم.

٢ - الإدلاء بالحجج الواهية والباطلة ليحكموا لصالحهم.

<<  <   >  >>