وهم كفار مكة، والصيحة هنا كذلك: هي صيحة الفزع، وهي النفخ في الصور التي تأخذهم جميعًا فلا يرجعون للدنيا، ولا يفيقون بعدها إلا إلى الآخرة والحساب؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
* ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] الصيحة: الريح الشديدة استأصلهم بها، وهم قوم صالح عندما عَقَروا الناقة.
(خَطِفَ الْخَطْفَةَ) أي: اختطف، وهو أخذ الشيء بسرعة، و (الْخَطْفَة) المراد بها: المعلومة المسترقة بسبب التصنت والاستماع للملائكة.
وقد كان الاستماع إلى السماء والملأ الأعلى ممكنًا قبل البعثة، أما بعد البعثة فقد شُدّدَت الحراسة على السماء فلا يستطيعون سماع شيء من الوحي؛ كما قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبا﴾ [الجن: ٨].
فقد كان قبل ذلك للجن مقاعد يستمعون عليها إلى السماء كما هو في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] فإذا سمع كلمة يلقيها على من تحته حتى تبلغ الكاهن أو الساحر، فيعرف بها بعض الغيب عن أحوال الناس فيكذب معها.
ثم أكد القرآن الكريم عدم استماعهم بعد ذلك لحراسة القرآن الكريم والوحي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨]، ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩].
ثم استثنى من الاستماع اختطاف الخطفة، وهو ما يتنصتون به على الملائكة إذا نزلت من السماء في السحاب فيخطفون الكلمة منهم؛ كما في الحديث: «إن الملائكةَ تنزلُ في العَنانِ -وهو السحابُ- فتذكرُ الأمرَ