للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والمعنى: لا يَضُرُّكم ضَلالُ مَنْ ضَلَّ مِنَ النّاسِ إذا اهْتَدَيْتُمْ لِلْحَقِّ أنْتُمْ في أنْفُسِكم، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بل هو مِنْ أعْظَمِ الفُرُوضِ الدِّينِيَّةِ؛ وهو من عوامل الهداية، فمن تركه ففي هدايته نقص. انظر: تفسير الشوكاني للآية.

* ومثلها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].

يستشهد البعض بها كذلك لإسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصحيح أنها لا تنافي الأمر بالمعروف ولا الجهاد ولا التناصح؛ فالمعنى:

١ - أنا بريءٌ من دينكم، وأنتم بريئون من ديني.

٢ - لَكم جَزاؤُكم ولِي جَزائِي؛ لأن الدِّين كذلك هو الجزاء.

فالآية تبين البراءة من الشرك وأهله، وليس ترك الدعوة والأمر بالمعروف.

وما يؤيدُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] أي: استمر على دعوتك مهما كذبوك، وما عليك إلا أن تتبرأ من شركهم، فليس عليك من حسابهم من شيء؛ فلكل عمله.

[سورة الأنعام]

[(الأنعام: ٩)]

قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].

(وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ما يَلْبِسُونَ) المعنى هنا: من التباس الأمر، وليس اللباس والثياب؛ أي: لو جعلنا الرسول الذي نرسله إليهم ملكًا كما طلبوا لجعلناه في صورة رجل من بني آدم؛ لأنهم لن يطيقوا رؤية الملك بصورته الحقيقية، ولالتبس عليهم أمره كذلك، فلن يتعرفوا عليه أمَلَك هو أم إنسي! ولن يوقنوا به أنه ملك، ولن يُصدِّقوا بأقواله مثله مثل النبي البشري، ولقالوا: ليس هذا ملكًا! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك وصحة برهانك.

فهم لبسوا على أنفسهم وشكوا في نبوتك، وكذلك سيفعلون في الملَك لو جاءهم في صورة رجل.

إذن، ليس المعنى: ولألبسنا الملك ما يَلبس الرجل من الثياب كما قد يُفهم، ولو كان ذلك حاصلًا أصلًا، ولكنه ليس مقصود الآية.

فالمعنى باختصار: لوقع لكم نفْسُ الاشتباه والالتباس الذي وقعتم فيه باستنكاركم كون الرسول بشرًا.

<<  <   >  >>