قيّضنا
قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥].
(قيضنا) أي: هيّأنَا وأتَحْنَا وسَلّطنا.
والمعنى: ذكر اللهُ في الآية الجاحدين للحق أنهم كلما أوغلوا في الجحود والمعاصي قيض الله لهم الشياطين وسلَّطَها عليهم، وتركهم فريسة لها، وأتاحها لهم تغريهم بالخطايا، وتزخرف لهم المعصية من حيث لا يشعرون، فتحثهم على المزيد؛ جزاء غفلتهم عن الله والدار الآخرة.
* ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
(نُقَيِّضْ) أي: نتيح له التسلط عليه، ونتركه فريسة له.
[قيعة]
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].
(بِقِيعَةٍ): جمع قاع؛ أي: في قاع من الأرض، وأرضٍ مستوية؛ لأن الأرض المستوية يظهر فيها السراب في ضوء الشمس.
وهو مَثلٌ ضربه الله تعالى في بيان بطلان أعمال الكفار؛ فقلوبهم كالأراضي الجدباء غير الصالحة للزرع، فلا يثمر فيها الخير ولا يزكو فيها العمل.
وأعمالهم كذلك يوم القيامة؛ حينما يكونون في أشد الحاجة إليها كحاجة الظمآن للماء، يجدونها لا شيء؛ كالسراب في تلك القيعان.
وقال ابن القيم ﵀ في التفسير المنسوب إليه: «إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم أعمالهم -يعني: الكفار- كالسَّرابِ، فَيَحْسَبُونَهُ ماءً، وإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ، فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فعتلوهم إلى نارِ الجَحِيمِ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، انظر: بدائع التفسير (٢/ ٢٤٤) بتصرف يسير.
* ومثلها في أصل المعنى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧].
(قَاعًا) أي: أرضًا منبسطة مستوية.
(أَمْتًا) الأمت: الارتفاع؛ أي: لا ترى انخفاضًا فيها ولا ارتفاعًا.
وهو يوم القيامة؛ حيث تسوَّى الأرض ليس فيها منخفض ولا مرتفع، ولا مَعْلَمٌ لأحد.