للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومنها كذلك ما روي عن عثمان بن عفان : (لَمَا يَزَعُ السُّلْطَانُ النَّاسَ أَشَدُّ مِمَّا يَزَعُهُمُ الْقُرْآنُ) تاريخ المدينة لابن شبة (١٧٠٤)، والمعنى: أن مِنْ الناس مَنْ لا يردعه ويمنعه إلا قوة السّلطان وخوف عقوبته، أكثر مما يمنعهم القرآن؛ وذلك لضعف إيمانهم وخوفهم من السلطان.

[ييأس]

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١].

(يَيْأَسِ) تعني: أفلم يعلم ويتبيّن؟

فلفظ (ييأس) على أكثر أقوال المفسرين ليست في لغة قريش بمعنى: (اليأس والقنوط من حصول الشيء) بل هي في لغة هوازن والنخع وغيرهما بمعنى: (العلم).

والمعنى: أفلم يعلم ويتبيّن للذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا؟ ومنهم هؤلاء الكفار الذين يتعنَّتون بطلب المعجزات، ولكنه لم يشأ لهم الهداية بسبب صدودهم!

ومن المحتمل كذلك أن تكون على ظاهرها بمعنى اليأس؛ فيكون المعنى: أفلم ييأس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفار المتعنّتين، حتى ولو حقق لهم ما طلبوه من معجزات؟! فلو أراد الله لهدى الناس جميعًا بآيات تعجزهم أو بغير معجزات؛ ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء! فمن أذعن وأطاع فله الهداية، ومن عاند واستكبر فله الضلال.

ومعنى الآية بإجمال يزيد الأمر وضوحًا:

فقد بدأت الآية ب (لو) الشرطية:

- (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى).

وحُذِف جواب الشرط، وهي عادة القرآن الكريم في تعظيم الأمر؛ لبثّ مشاعر الخشية والرهبة في القلوب، ولتوجيه الأنظار إلى عظمة هذا الكتاب الكريم، وإلى فداحة كفر هؤلاء!

وجوابه: لو كان قرآنًا بهذه الخصائص العظيمة لكان هذا القرآن، ولكفرتم به رغم ذلك!

- (لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا).

وهو إضراب لبيان أن هذا الأمر متوقف على مشيئة الله تعالى؛ فليس الأمر في ذلك للمعجزات أو للقرآن في هداية أحد، بل لله الحكم والمشيئة وحده في عباده.

<<  <   >  >>