قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيما﴾ [المعارج: ١٠].
أي: لا يتكلم أحدٌ مع أحدٍ في هذا الموقف الرهيب رغم المعرفة والمودة التي كانت في الدنيا.
وهناك آيات أُخْرى تبين أن الناس يُكلم بعضهم بعضًا؛ فيوم القيامة مواقف: في بعضها يتكلم الناس ويلعن أهل الضلال بعضهم بعضًا، ويطلب آخرون الشفاعة وغير ذلك، وفي بعضها يسود الذهول والخوف والذعر فلا همس ولا كلام.
(مُسْتَبْصِرِينَ) الاستبصار: من الفعل بصُرَ، وهو استبيان الشيء بالنظر والاستدلال، فمعنى استَبصَر فِي أمره؛ أي: كَانَ ذَا بَصِيرَة.
ولها معنيان لا يتعارضان:
المعنى الأول: أنهم كانوا مستبصرين في الضلالة، زين لهم الشيطان أعمالهم وصدهم عن طريق الحق؛ فكانوا يرون أنفسهم على حق، ويحسبون أنهم على هدى وصواب، وهو عين الضلال.
المعنى الثاني: كانوا مستبصرين في أمور الدنيا؛ فكانت لهم عقول للنظر الصحيح والاستدلال، ولكن سخروها للعمل للدنيا، فلديهم علم وبصيرة في أمور دنياهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] أي: وهم بالآخرة جهلاء غافلون، وهو أعظم الذنب؛ ولذلك عاقبهم بأشنع العقوبة.
والمعنى في الآية الكريمة: بئسما باعوا به أنفسهم وحُسْنَ مآلهم بالكفر وشرّ المآل؛ حسدًا وكراهة أن ينزل الوحي على من فضّله من بينهم، وهو النبي ﷺ.
وحسدًا وحبًّا للرئاسة والمصلحة؛ فاستحقوا على ذلك الغضبَ من الله بغضب على غضب -وهم اليهود- فاستحقوا بكفرهم غضب الله على تضييع أوامر التوراة، وعلى الكفر برسالة محمد ﷺ.