والمعنى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِم) أي: الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة مكروا مثلهم بل وأكثر منهم؛ فبنوا القصور الشاهقة على قواعد وأسس عظيمة؛ ظنًّا منهم أنها ستدفع عنهم العذاب، ومنهم من ظن أنه قادر على الصعود للسماء، قيل: إنه النمرود، وقيل: بُخْتنَصَّر الذي بنى صرحًا عاليًا ليبلغ السماء.
(فَأَتَى اللَّهُ بُنيانَهُم منَ القَوَاعِدِ): فاقتلع الله بنيانهم من أساسه وأصوله وضَعْضَعَهَا.
(فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِنْ فَوقِهِم): فخرّ وسقط سقف البناء فجأة بجملته عليهم دفعة واحدة.
وقوله: (من فوقهم) تزيد المعنى فتُبيّن أن العذاب جاءهم من فوقهم، فسقط عليهم وهلكوا جميعًا تحته؛ لأنه لو لم يقل: (من فوقهم) لم يُعلم أنهم كانوا تحته، ولكان المعنى: تهدَّم البناء الذي يملكونه فقط؛ كما يقال: أفسد عليهم عملهم، أو أتلف عليهم أموالهم.
(وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشعُرُونَ): فكان عذاب الله لهم مُباغتًا من حيث لا يتوقعون ولم يحسبوا له حسابًا، وهكذا فكما عذّب مَنْ قَبلهم من حيث لا يشعرون، فهو سبحانه قادر على أن يأتي هؤلاء الماكرين من كفار مكة -القائلين على القرآن أساطير الأولين- بعذاب مباغت من حيث لا يشعرون.
والسقف في الآية سقف بنائهم؛ كما قال تعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣].
* وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] المقصود به: السماء رفعها بلا عمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظا﴾ [الأنبياء: ٣٢].
فائدة:
تقول العرب: (خرّ الماء خَرًّا، وله خَرير، وخرّ الحجر خُرورًا) فالسوائل لها صوت خَرير في انحدارها، والجوامد لها صوت خُرور في سقوطها؛ فكلمة خرّ تفيد سرعة السقوط أو سرعة النزول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدا﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤]، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
[(النحل: ٦٠)]
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
(وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعلَى) أمثال السوء التي نسبها إلى الله تعالى أعداؤه المشركون: هم الإناث اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها ويكرهونها، فكيف ينسبونها لله تعالى؟ فبئس الحكم حكمهم!
قال تعالى: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) أي: المثل الناقص والعيب التام.