ما هو المكان القريب والمكان البعيد في الآيات؟
(يُنَادَونَ مِنْ مكَانِ بَعِيد) يخبر الله تعالى في الآية عن تعنُّت الكفار واعتراضهم على القرآن، وقد أنزله الله عربيًّا بلغتهم ليتدبروا آياته، ولو جعله بلغة أعجمية لقالوا: هلّا بينت آياته! ولقالوا: كيف يكون أعجميًّا ومحمد عربي؟!
فهذا التعنت هو أسلوب الكفرة، فالمؤمنون الموفّقون انتفعوا به، ويكون لهم هداية لطريق الحق وشفاء من أسقامهم البدنية والقلبية، أما من كفر به ففي آذانهم صمم عن سماعه، وهو عليهم زيادة في الضلال والعمى؛ لأنهم اختاروا طريق الغيّ والزيغ، فهم بذلك بمنزلة من ينادَى عليهم من مكان بعيد؛ فهم لا يسمعون داعيًا ولا يجيبون مناديًا.
فقوله: (يُنَادَونَ مِنْ مكَان بَعِيد) فيه تشبيهٌ لهؤلاء الذين لا يستجيبون للقرآن، كمن جاءه الصوت من مكان بعيد خافتًا ضعيفًا لا يتبيّن السامع منه شيئًا.
* ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ [سبأ: ٥١ - ٥٣].
(فزعوا) الفزع: هو الخوف المفاجئ.
(فلا فوت): لا نجاة ولا مهرب.
(مِنْ مكَان قَرِيب):
- المكان القريب: إذا قاموا فزعين يوم القيامة من القبور إلى العرض والحساب.
- وقيل: حين فزعوا مما حلَّ بهم يوم بدر فلم يستطيعوا الفرار، فإذا هم من ظاهر الأرض إلى باطنها.
* ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١].
(مِنْ مكَان قَرِيب) أي: من مكان قريب من الخلق والأرض، وهو إسرافيل حين ينفخ في الصور.
(التناوش من مكان بعيد) أي: أنَّى لهم الوصول للإيمان الذي كفروا به بعد رحيلهم للدار الآخرة؛ فقد أصبحوا في مكان بعيد.
(ويقذفون بالغيب مِنْ مكَان بعيد): يرجمون بالتخرّص بالغيب في أقوالهم الباطلة بقولهم: هو شاعر، أو ساحر، أو كاهن.
ويرجمون بالظن يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار.