للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجِنَّة يانعة، وأنهار جارية، فنازَعَتْه نفسُه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، فإنها لا تسكن وتطمئن حتى يحصل مُنَاها، وكذا شأنُها في كل مطلوب مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق، إذ الفرض ثبوته.

قال الكمال ابن أبي شريف (١): وهذا التأويل يشير إلى أن المطلوب بقول السيد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: ٢٦٠] هو سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام في جواب السؤال، أو المطلوب سكونه بحصول متمنَّاه من المشاهدة المحصِّلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، انتهى.

ولا يقال: كان المناسب للمصنف أن يذكرها في سياق الآيات؛ لأن هاتيك دلالتها على الزيادة صريحة بخلاف هذه، كذا في "القسطلاني" (٢)، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وإيرادها في غير الآيات لأنها من كلام إبراهيم - عليه السلام - لا من أمره تعالى، وإن كان مذكورًا في القرآن على سبيل الحكاية.

(وقال معاذ بن جبل) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": كذلك [في] قول معاذ، أي: نزد الإيمان ساعة بالمذاكرة، وكذلك قول ابن مسعود، فإن كلها دليل على ما قصده المؤلف، ولا يضرُّنا شيئًا، فإن الزيادة في الكيفيات مسلَّمة.

(اجلس بنا نُؤمِنْ ساعةً) أي: نزداد إيمانًا.

قال النووي (٤): أي نتذاكر الخير وأحكام الآخرة، فإن ذلك إيمان،


(١) هو شيخ الإسلام أبو المعالي، كمال الدين محمد بن محمد، المعروف بابن أبي شريف، صاحب "المسامرة بشرح المسايرة"، ولد ٨٢٢ هـ، وتوفي ٩٠٦ هـ. انظر: "الأعلام" للزركلي (٧/ ٥٣).
(٢) "إرشاد الساري" (١/ ١٤٩).
(٣) "لامع الدراري" (١/ ٥٤٠).
(٤) انظر: "مختصر شرح صحيح البخاري" للنووي (ص ٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>