للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القسطلاني (١): وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ الحاجة لم تتحقق، أو أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعَرّفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها مفصلًا إذا تفرغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهم.

(وقال إبراهيم) على نبينا وعليه السلام كما في سورة البقرة: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: ٢٦٠] أي: يزداد بصيرةً.

لا يقال: إن الشك ينافي الإيمان؛ لأن المراد ها هنا ليس نفي اليقين بل التمنِّي لعين اليقين، فإن المحقق بالمشاهدة آكد من المحقق بالعلم، أو يقال: إن السؤال لم يكن عن مجرد الإحياء بل عن كيفيته، كما يدل عليه لفظ "كيف"، وهذا هو الذي مال إليه صاحب "روح المعاني" (٢).

وذكر النووي له أجوبة، قال (٣): أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالًا، فإِنَّ عِلْمَ الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوكُ في الجملة، بخلاف علم المعاينة فإنه ضروري، وهذا مذهب الأزهري وغيره.

والثاني: سأل زيادة يقين وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإنَّ بين العِلمين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين، وذكر وجهين آخرين.

وقال ابن الهمام في "المسايرة" (٤): قيل في تأويله: طلب السيد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حصولَ القطع بالإحياء بطريق آخر، وهو البديهي الذي بداهته سببُ وقوع الإحساس به، وهذا تأويل حسن، وحاصله: أنه لما قطع بالقدرة على الإحياء اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته،


(١) "إرشاد الساري" (١/ ١٤٩).
(٢) "روح المعاني" (٢/ ٢٦).
(٣) "شرح صحيح مسلم" (١/ ٤٦١).
(٤) انظر: "المسامرة بشرح المسايرة" (ص ٣٧٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>