قلت: ومما يجب التنبيه عليه أن مقصد الإمام البخاري ها هنا في كتاب التَّفسير أعم مما ذكر كما سيأتي أيضًا في كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب غير المغضوب عليهم.
وقال صاحب "الفيض"(١): اعلم أن أول من خدم القرآن أئمة النحو، فللفرّاء تفسير في معاني القرآن وكذا للزجاج، وذكر الذهبي أن الفراء كان حافظ الحديث أيضًا، وقد أخذ ابن جرير الطبري في تفسيره عن أئمة النحو كثيرًا، ولذا جاء تفسيره عدم النظير، ولو كان البخاري أيضًا سار سَيْرَه لكان أحسن لكنه كان عنده "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى فأخذ منه تفسير المفردات وذلك أيضًا بدون ترتيب وتهذيب، فصار كتابه أيضًا على وزان كتاب أبي عبيدة في سوء الترتيب [والركة] والإتيان بالأقوال المرجوحة، والانتقال من مادة إلى مادة، ومن سورة إلى سورة، فصعب على الطالبين فهمه، ومن لا يدري حقيقة الحال يظن أن المصنف أتى بها إشارةً إلى اختياره تلك الأقوال المرجوحة مع أنه رتب كتاب التَّفسير كله من كلام أبي عبيدة ولم يعرج إلى النقد أصلًا، وهذا الذي عَرا شَقِيّ القاديان حيث زعم أن البخاري أشار في تفسيره إلى أن التوفي بمعنى الموت؛ لأنه فسر قوله تعالى:{مُتَوَفِّيكَ}[آل عمران: ٥٥] بمميتك، وهذا الآخر لم يوفق، ليفهم أن الحال ليس كما زعم، ولكنه كان في "مجاز القرآن" فنقله بعينه كسائر التَّفسير، فإن كان ذلك مختارًا كان لأبي عبيدة لا للمصنف، ثم إنّ هذا غير أبي عبيد صاحب "كتاب الأموال" فإنه متقدم على معمر بن المثنى، وهو أبو عبيد قاسم بن سلام من تلامذة محمد بن الحسن أول من صنف في غريب الحديث.
ثم إن المجاز في مصطلح القدماء ليس هو المجاز المعروف عندنا بل هو عبارة عن موارد استعمالات اللفظ، ومن ها هنا سمى أبو عبيدة