للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الجهاد حالان: إحداهما في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، قال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينصروه، فيخرج من قولهما: إنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيرها، والتحقيق: أنه كان عينًا على من عيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقه ولو لم يخرج.

الحال الثاني: بعده - صلى الله عليه وسلم - فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، وقيل: تجب كل ما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا: أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بقلبه، والله أعلم.

وفي "البذل" (١) عن "الهداية" (٢): الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ إلا أن يكون النفير عامًا فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: ٤١]، انتهى.


(١) "بذل المجهود" (٩/ ٧).
(٢) "الهداية" (١/ ٣٧٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>