للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وليس هذا إلا كقوله: شتم فلان فلانًا وحلف فلان لا يدل ذلك على صفة الشتم ولا على صفة اليمين وإذا كان كذلك احتمل أن يكون أقسموا باسم الله تعالى.

قالوا والذي يدل على صحة هذا: وإن اسم القسم إذا أطلق اقتضى اسم الله تعالى قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وكان قد أقسم إبليس لآدم بالله تعالى، يدل على ذلك أن الله تعالى لما عاتب آدم على قبوله من إبليس قال آدم يا رب إنه حلف بك وما علمت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا فدل على أن إبليس حلف به (١).

قيل: قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ خبر فالظاهر أنهم قالوا: أقسمنا وحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ولو كان هناك زيادة على ذلك لذكره؛ لأن الحكم يتعلق به.

ويبين صحة هذا: أنا وإياهم حملنا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].

وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ على لفظ السراح والفراق كذلك ههنا ويفارق هذا قوله فلان شتم وحلف؛ لأنه ليس هناك ما يدل على شتم بعينه ولا يمين بعينها وههنا ما يدل على أنه حالف باللفظ الذي تقدم؛ لأنه أخرجه مخرج التأكيد للخبر.

وأيضًا ما روي أن أبا بكر غبر رؤيًا فقال له النبي : "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا"، فقال أبو بكر: أقسمت يا رسول الله لتخبرني فقال له النبي : "لا تقسم يا أبا بكر" (٢) (٣).


(١) ينظر: الحاوي الكبير (١٥/ ٢٧٢)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١٠/ ٥١٠)، المجموع شرح المهذب (١٨/ ٣٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب (٧٠٤٦)، ومسلم في كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا (٢٢٦٩) من حديث عبد الله بن عباس ، وليس عندهما قوله: "يا أبا بكر".
(٣) ينظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق (٣/ ٥٣)، رد المحتار (٣/ ٧١٦)، الفتاوى الهندية (٢/ ٦٠)، المغني (٩/ ٥١١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١١/ ١٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>