للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واختلفت الرواية عن مالك؛ فروي عنه مثل الروايتين (١).

وكذلك اختلف قول الشافعي، والذي ينصر أصحابه جواز الشبع منها وكذلك الحكم عندهم في طعام الغير (٢).

والدلالة على أنه لا يجوز الشبع: إن الإباحة معلقة بشرط الضرورة بدلالة قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فإذا أكل منها ما يمسك رمقه زالت الضرورة، فوجب أن تزول الإباحة؛ لعدم شرط الإباحة، ولأن لفظ التحريم في الآية عام، وإنما استثنى منه مقدار ما اضطر إليه، فيجب أن يكون ما عدا المستثنى محرمًا بالعموم.

فإن قيل: شرط الضرورة إنما هو في ابتداء الإباحة دون الاستدامة، كما نقول في نكاح الأمة عدم الطول، وخوف العنت شرط في ابتداء النكاح دون استدامته (٣).

قيل: قد بينا أن لفظ التحريم في الابتداء والاستدامة، والاستثناء يجب أن يرجع إلى ذلك العموم في الابتداء أو الاستدامة (٤).

فإن قيل: الضرورة لا تزول إلا بالشبع الذي يعينه على السير (٥).

قيل: نحن نجيز له أن يأكل ما يعينه على السير، ويزيل خوفه بانقطاعه عن الرفقة، وأيضًا فإن الضرورة زالت بالجزء الأول، فلو أكل بعده أكل للحاجة لا للضرورة والميتة لا تستباح بالحاجة كالابتداء، ولأن الجزء الأول في حق المضطر كالطعام المباح، ولو كان معه ذلك المقدار من لحم مذكى فأكله لم يجز له أن يتمم أكله من الميتة، كذلك إذا أكل الجزء الأول منها، وأيضًا فإن خوف التلف على نفسه معدوم في هذه الحال، فلا يجوز له أن يأكل منها.


(١) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٣٩).
(٢) ينظر: التنبيه في الفقه الشافعي (١/ ٨٤)، الحاوي الكبير (١٥/ ١٦٨).
(٣) ينظر: البناية شرح الهداية (٥/ ٥٥)، البيان والتحصيل (٤/ ٣٩٠)، الأم (٥/ ١٠).
(٤) ينظر: المغني (١٣/ ٣٣٠).
(٥) ينظر: الشرح الكبير للدردير (٢/ ١١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>