للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: "أعتق رقبة" (١) فلم يؤخر البيان؛ لأنه وقت الحاجة.

وجواب آخر: وهو أن جملة ما قالوه حمل على ما قد استفيد بغير هذا الخبر، وهو قوله تعالى: والمنخنقة، وإذا حملناه على مسألة الخلاف حمل على أمر مستفاد بهذا الخبر.

وقولهم: قد صار مذبوحا فلا يؤثر ما طرأ عليه فلا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لم يحرم على الذابح أن يقطع أعضاءه ويبينها قبل أن تزهق نفسه، كما لا يحرم عليه ذلك إذا زهقت نفسه، وأن لا يحرم عليه إمساكها حتى لا تضطرب.

وقد روي عن عمر أنه قال: "ذروها حتى تزهق الأنفس" (٢). وإذا كان حكم الحياة باقيا من الوجه الذي ذكرنا كذلك ها هنا، ولا معنى لقولهم: إن هذا من آداب الذكاة؛ فجرى مجرى منع الذكاة بسكين كال، ومواراة السكين عن الذبيحة، ومع هذا فليست هذه الأشياء شرطا في الذكاة؛ لأن آداب الذكاة إنما اعتبرت في حال الحياة؛ فلولا أن هذه الحال هو حال الحياة ما اعتبر ذلك فيها، فلما اعتبر دل على أنها جارية مجرى حالة الحياة، وما ذكروه من ضمان الجناية وأنه لا يثبت على من ضرب عنقه بعد قطع الحشوة حكم الضمان يفارق الذكاة (٣).

بدليل أنه لو رمى صيدا مملوكا فغاب عنه ثم وجده ميتا وبه السهم أوجبوا عليه الضمان ولم تحصل الإباحة على الصحيح من قولهم، ولأن الضمان لا يختص بموضع مخصوص بل أي موضع جرحه ضمنه، والذكاة تختص بموضع ولذلك لا يختص بجاني مخصوص والذكاة يختص بمذكى مخصوص وهذا يدل على الفرق بين الضمان والذكاة (٤).

واحتج: بأنها إذا انتهت إلى هذه الحال لم يؤثر ما يطرأ عليها ألا ترى أنه لو ذبحها مجوسي فقطع الحلقوم والمريء ثم جاء مسلم فقطع رأسها لم يبح أكلها ولو ذبحها


(١) أخرجه البخاري من حديث أبو هريرة في كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء، فتصدق عليه فليكفر (١٩٣٦)، ومسلم في كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم رقم (١١١١).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ينظر: الحاوي (١٥/ ٤٨)، شرح مختصر خليل (٣/ ١٢)، الشرح الكبير (١١/ ١٦)، نيل المآرب بشرح دليل الطالب (٢/ ٤١١).
(٤) ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٥٥)، المغني (٣/ ٤٤٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>