للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، يعني التي تجرح فدل على أن الجرح أحد شروطه (١).

فإن قيل: الجوارح الكواسب (٢) قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] كسبتم، وقال: ﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، ومعناه: اكتسبوا، وقال القتبي (٣) في غريب القرآن: يقول العرب: امرأة لا جارح لها أي لا كاسب (٤).

قيل: الظاهر يقتضي ما قلنا على أن اللفظ يصلح لهما فنحمله عليهما فيصير كله قال ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مما يكسب ويجرح، ولأنه آلة للاصطياد فكان من شرطها الإدماء والجرح كالسهم، ولأنه مات بالصدم أشبه إذا صدمه بيده وبعصا فقتله (٥).

فإن قيل: ذلك مما يمكن التحرز منه؛ لأنه لو قوم رميته لأصاب فإذا أصابه بعرضه علم أنه من سوء الرمي والتقصير فيه فلهذا لم يحل أكله وليس كذلك في مسألتنا فإنه لا يمكن التحرز منه؛ لأن عادة الكلب أن يقتل بجرح وبغير جرح فعفي عن ذلك؛ لعدم إمكان التحرز منه كما عفي عن المحل في غير المقدور عليه (٦).

قيل: قولك: إنه لو قوم رميته لأصاب لوجب أن يكون إصابة الحلق شرطا؛ لأنه يقدر على ذلك فلما عفوت عن ذلك كان يجب أن لا يعفو عن الآدمي والجرح ولما لم يعف عن ذلك كذلك يجب أن لا يعفو في الكلب وقولك: إن هذا لا يمكن التحرز منه في الكلب؛ لأنه يقتل بجرح وبغيره فوجب أن يباح وإن استرسل بنفسه؛ لأنه قد يسترسل بنفسه ويصاحبه ومع هذا فإرساله شرط هذا، ولأن ما كان ذكاته العقر مع القدرة فهي ذكاته مع الامتناع كالبعير إذا ند، ولأنها بهيمة جرحت روحها من غير عقر أشبه المقدور


(١) ينظر الشرح الكبير (١١/ ١٤)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٢٧).
(٢) ينظر الحاوي الكبير (١٥/ ٥٢) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ٥٣٩).
(٣) سبقت ترجمته (١/ ٨٥).
(٤) ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة (١٤١/ ١)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٢٧).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (١١/ ١٤)، المبدع شرح المقنع (٩/ ٢٠٦)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (٤/ ٣٢٧).
(٦) ينظر: الحاوي الكبير (١٥/ ٥١)، الوسيط في المذهب (٧/ ١١٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>