للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: إذا امتنع المسلم من الزكاة أخذها الإمام قهرا، ولا تكون قربة في حقه (١).

قيل: يمكن أخذها على الوجه الذي يؤديها، وهو أن نية الإمام تقوم مقام نيته في ذلك (٢).

واحتج بأن: الجزية تجب بإقرارنا إياهم في دارنا؛ فهي كالأجرة، ثم ثبت أن الأجرة لا تسقط بالإسلام، كذلك الجزية (٣).

والجواب: أنا قد بينا فساد هذا الاعتبار؛ فلا وجه لإعادته، وإن قاسوا على الاسترقاق أجبناهم بما قدمنا، وهو أنه غير موضوع على وجه العقوبة، وليس كذلك الجزية؛ لأنها موضوعة على وجه العقوبة؛ لأجل الكفر أشبه القتل المستحق بالكفر.

وجواب آخر: وهو أن الرق آكد في ثبوته من الجزية ألا ترى أنه يثبت في الرجال منهم والنساء والصبيان؛ فلا يمتنع أن يكون أكد في بقائه من الجزية؛ فيبقى بعد الإسلام، ولا تبقى الحرية، وإن قاسوا على خراج الأرضين، وأنه لا يسقط بالإسلام، كذلك خراج الرءوس لم يسلم الأصل، بل نقول يسقط بإسلامه كما نقول في جزية الرءوس، وقد قال أحمد في رواية ابن منصور (٤): "ما كان من أرض صولحوا عليها ثم أسلم أهلها وضع الخراج عنها".

وقال أيضا في رواية ابن القاسم: "يقال في أرض بني تغلب العشر مضاعف عليهم، فإذا اشتراها مسلم فالعشر" (٥).

وقد التزم أصحاب أبي حنيفة هذا، وقالوا: خراج الأرضين غير مأخوذ على وجه الصغار.

بدليل: أنا نأخذ منه بعد الإسلام، والجزية لا تؤخذ بعد الإسلام، وهذا لا نسلمه وهذا غير مسلم؛ لأن الخراج الذي يؤخذ بعد الإسلام أجرة وما يؤخذ في حال الكفر جزية تسقط بموته (٦).


(١) ينظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه (٦/ ١٣٣)، الحاوي الكبير (١٤/ ٣١٣).
(٢) ينظر: المغني (٩/ ٣٤٢)، الشرح الكبير، لابن قدامة (١٠/ ٦٠٥).
(٣) ينظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه (٦/ ١٢٣)، الحاوي الكبير (١٤/ ٣١٣).
(٤) سبقت ترجمته (١/ ١٨٩).
(٥) ينظر: المبدع في شرح المقنع (٢/ ٣٤٧)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (١/ ٢٦٥).
(٦) ينظر: العناية شرح الهداية (٢/ ٢٥٦)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (١/ ٤٥٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>